لماذا نغتال الذكريات؟

يقول بعض المشتغلين في علوم النفس والعلوم الإنسانية أنه يجب على الإنسان إذا أراد أن يعيش في الحاضر ويستشرف المستقبل لكي يبني ويعمر الأرض يجب عليه أن ينسى الماضي بالكلية لأن الماضي قد يكبله عن المضي قدماً ويقعد به عن خوض غمار الحاضر وإستشراف المستقبل، وحقيقة هذا الكلام ربما يكون بعضه صحيحاً ولكن أجزم وأنا على يقين من ذلك أنه ليس كله صحيح كيف للإنسان أن يغتال الذكريات بنفسه وهي جزء منه ولا تكاد تنفصل عنه لأن الله الذي خلق الإنسان وضع فيه هذه الصفة فهي ملازمة له كظله كيف لي أن انسى ذكريات طفولتي وصبايا وشبابي التي كانت فيها أجمل الأيام والأوقات واللحظات التي عشتها على هذه الأرض منذ أن سقطت من رحم أمي رحمها الله وصرخت الصرخة الأولى في هذه الحياة التي قدر لي أن اعيشها حتى بلغت السن التي انا عليها الآن كيف لي أن أمحو أولىٰ خطواتي على هذا الثرى ؟.. كيف لي أن اغمض عيني التي تفتحت على كل ما في هذه الدنيا من أشياء جميلة من سموات واراضين وجبال وأشجار وبحار؟.. كيف لي أن امحو من ذاكرتي أولىٰ الكلمات التي نطق بها لساني وكيف لي أن أصم أُذنيّ عن الكلمات الجميلة التي سمعتها منذ أن وعيت وادركت معني الكلمات التي وقعت على مسمعي وسجلتها ذاكرتي الصغيرة والتي اخذت تكبر معي وتخزن كلما يحصل لي ، هناك مخزون هائل من الذكريات الأفراح الأتراح السرور الحزن الضحكات البكاء الحنين كيف أنسى الذين عاشرتهم ورحلوا سواء رحلوا عنا وهم موجودون في الحياة أم رحلوا عنا بالموت والفراق الأبدي كيف لي أن امحو من ذاكرتي سيري في ازقة مكة وطرقاتها وحاراتها وجبالها ووهادها وسهولها وقبل كل شيء مسجدها الحرام الذي هو احب بقاع الأرض الى الله والي وكل ما تحمل مكة عبق جميل بمجرد أن تخطر ببالي خاطرة من تلك الذكريات تجدني أبتسم هكذا لأنني اجتررت تلك الذكريات ورأيتها جميلة رائعة بحق لا أستطيع التخلي عنها ولو أردت ذلك وانا بكل صراحة لا أريد ذلك لا أريد ابداً وأنا أستطيع ومعي تلك الذكريات أن أعيش في حاضري واستشرف مستقبلي فليس بالضرورة أن أتخلى عن ذكرياتي وماضي كي أعيش في الحاضر واستشرف المستقبل بل أنا أجد نفسي قوياً إذا ابقيت على ذكرياتي وفي نفس الوقت عشت في حاضري ونظرت الى مستقبلي فمن الأقوى؟ هل هو الذي يتخلى عن ماضيه لكي يعيش في حاضره أم الذي يستطيع أن يجمع بينهم.

ذكرياتي هي أبي وأمي واخواني واخواتي وجيراني واهل حارتي ومسقط راسي وملهاي وملاعبي وكل شيء جميل فقدته ومن الذي قال أنني إن ابقيت على ذكرياتي لا أستطيع أن أتقدم خطوة واحدة وإنني ساظل حبيس تلك الذكريات وأنها سوف تتحكم فيّ وتكبلني عن المضي قُدماً لإستشراف المستقبل هذا شأن الضعفاء والخاملين وليس للذكريات دخل في ضعفهم وخمولهم ابداً هذا تفكير خاطئ ، بل على العكس من هذا كله فإنني إذا عشت بعضاً من ذكرياتي وذلك الزمن الجميل ربما يجعلني استقي من تلك الذكزيات الشئ الجميل الذي كان في تلك الحقبة فأتعامل على ضوئها مع أهل زماني هذا الذي طغت عليه المادة وما أظن ان أحداً يخالفني أن ذلك الزمان كان فيه التكاتف أكثر والمروءة اجمل وليس أحد منا إلا وقد شده الحنين ولو لبرهة من زمن إلى تلك الأيام ونحن نسمع كثيراً كلمة ( الزمن الجميل) وما ذلك إلا لأننا نشتاق إلى ذلك الزمن الذي عشناه بكل ما فيه من طيب ونحّنُ إليه حنين الطيور الى اعشاشها وحنين الزهور لقطرات الندى لتنتعش نعم نحّنُ الى ذلك الماضي عندما تداهمنا هموم المادة في حاضرنا.

وأخيرا فلو لم تبقى من الذكريات إلا تلك الوجوه النيرة والأنفس الجميلة التي مرت على ذاكرتنا وتلك الدعوات الطيبات التي القيت على مسامعنا وتلك الأيادي المتوضئة التي صافحتنا لو لم يبقى إلا هذا لتمسكت بتلك الذكرياتي واعيش حاضري بما فيه واستشرف مستقبلي لأن الله هو من يصنع ذلك المستقبل الذي هو في عالم الغيب الأمين.

إبراهيم يحيى أبو ليلى

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *