خَبَايَا الْخَفَايَا

الحَمْدُ للهِ بارِئ البرِيَّات، العَالِمِ بالظَواهِرِ والخَفِيِّات، المُطَّلِعِ على الضمائِر والنيَّات، المُسْتَحِق لجَمِيعِ العِبَادات، والصَّلاةُ والسَّلامُ على عَبْدِهِ ورَِسُولِهِ الذِي خَتَمَ برسَالَتِهِ جَمِيع الرسالَات، صلَّى اللهُ عَلِيهِ وعَلى آلهِ وصَحْبهِ المُسَارعِين للخَيرات، وسلَّم تسليمًا كثيرًا مَزيدًا إلى يَومِ الدِّين.

أَمَّابعد..

فقد جاءت الأدلَّة بالمدح والثناء بعبادة الخفاء، والترغيب فيها، لأن القلب فيها أشَدُّ حضورًا واجتماعًا، والعبد بها أكثر خشوعًا وخضوعًا، فهي زينته في خلوته، وزاده، من دنياه لآخرته، وهي التجارة الرابحة، بها ترفع الدرجات، وتكفر السيئات.

وهي الرصيد إذا اشتدت الكربات، وتوالت الحسرات، وتعطلت القوى والقدرات، وهي من الوسائل المعينة على الثبات عند الفتن والإضطرابات، وهي السبب بعد الله في النجاة واستجابة الدعاء في الملمات.

كيف لا !؟ وهي الخبيئة التي عُطرت بالإخلاص، وغُلفتْ بالصدق، وأحيطتْ بالكتمان، فلايُفْقد جمَالُهَا ولايَذهبُ بَريقُهَا وصَفاؤُهَا، ولا يَبْطُل أجرَها وثوابَها.

قال تعالى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [البقرة: ٢٧١].

يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – ومن فوائد الآية: “أن الإسرار بالصدقة أفضل، لقوله:{فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}، وللحديث الصحيح: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) وذكر منهم: (رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)، ولكن قد يكون في الإظهار خير يرجح على الإسرار كما لو كان هذا الفقير طلب منا أن نعينه ونساعده فأظهرت الصدقة عليه من أجل أن يقتدي بك الناس، فهذا يكون خيرا” [انتهى]

وجاء في الحديث:(مَنِ استطاعَ منكم أنْ يكونَ لَهُ خَبْءٌ مِنْ عمَلٍ صالِحٍ فلْيَفْعَلْ).[صححه الألباني].

وهذا من أعظم النصح الذي نصح به النبي صلى الله عليه وسلم أمته.
لأن العمل الصالح هوالذي ينجوا به صاحبه يوم القيامة، قال تعالى: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}. [الطارق: ٩] أي: تختبر سرائر الصدور، وتظهر الخفايا، ويظهر ما كان في القلوب من خير وشر. ففي الدنيا تخفى كثير من الأمور، ولا تظهر عيانًا للناس، وأما في القيامة، فيظهر بر الأبرار، وفجور الفجار، وتصير الأمور علانية.

ومن صور خبيئة الأعمال الصالحة:
ركعات في جوف الليل.
صيام يوم في سبيل الله.
صدقات خفية.
إغاثة ملهوف.
مساعدة مكروب.
تفريج مهموم.
السعي على الأرملة والمسكين.
سداد دين.
قضاء حوائج الناس.
استغلال الأوقات بالإكثار من الطاعات الخفية: استغفار، تسبيح، تحميد، تهليل، تكبير.
وغيرها من الأعمال الصالحة….

وإذا بـحثتْ عن التُقِي وجَدْتَهُ
رَجُـلاً يـُصَدِقُ قَـولهُ بفِعَالِ
********
وإذَا تـَنَاسَبتِ الرجالُ فما أَرَى
نَـسَبًا يـَكُون كصَالحِ الأعْمَالِ

ذكر أحد الدعاة هذه القصة، وهي من القصص المعاصرة، ونموذجًا من نماذج الخبيئة الصالحة، وقف عليها بنفسه، سأذكرها بإختصار وتصرف بإذن الله.

يقول الشيخ: في القرية التي أسكن فيها، يوجد رجل من الناس عادي، ليس لديه كثير من العبادات، لكنه محافظ على الصلوات.
يقول: أراد الله على هذا الرجل أن يحترق عليه بيته، وكان في نيته إذا استيقظ في الصباح أن يأخذ والدته المريضة إلى المستشفى، فدخل غرفته ونام، فالتمس سلك المكيف واشتعلت فيه النار، ثم وصلت النار إلى الستارة، واحترقت الستارة، فاحترقت الغرفة، واحترق الرجل بداخلها.
يقول: فلما أسعفوه إلى المستشفى وكان لم يزل على قيد الحياة ويتحدث، فأرادوا نقله من سرير الهلال الأحمر إلى سرير المستشفى، فلما أرادوا نقله، وأمسكوا بيده لكي ينقلوه تمزق اللحم من يده من شدة الحروق، فقال لهم الرجل: دعوني أنا أنقل نفسي، فقام من سرير الهلال الأحمر إلى سرير المستشفى، يقول: ثم تلفظ بالشهادة وحمد الله وقال: هذا نصيبي ثم مات -رحمه الله-

يقول: وبعد أن دفنا هذا الرجل، وأنا أقول في نفسي – سبحان الله – مالذي بين هذا الرجل وبين الله من خبيئة حتى يموت محروقًا؛ والمحروق شهيد، وقبل أن يموت كان ينوي برًا بأمه..!؟

يقول: وبعد اسبوعين تأتي المفاجأة التي لايعلم بها أحد، فيأتي لأولاده في البيت اتصالًا من امرأة عجوز كبيرة في السن، تسأل عن والدهم، فأخبروها بأن والدهم قد مات! يقولون: فصاحت المرأة وبكت وأقفلت السماعة، يقولون: رجعنا لرقمها واتصلنا بها، لنعرف من هي، وماذا تريد؟ فقالت لنا: أبوكم منذ زمنٍ بعيد أنا وأطفالي وأسرة كاملة، يعولنا شهريًا، فيأتي إلينا بكل مايكفينا لمدة شهر ويضعه عند الباب ثم ينصرف.
تقول: وفي الشهر الماضي أعطانا هذا الرقم، وقال: لوتأخرت عليكم لاسمح الله لأي أمرٍ ما، اتصلوا على هذا الرقم. [أنتهى] بتصرف.

سبحان الله! تأملوا.. حين فعل هذا الرجل العبادة وبَعُدَ عن دائرة الأنظار، ونْأَى بنفسِهِ عن مُلاحظة الأعيُنِ له، وتمحَّض قلْبُه لِمُطالعةِ ربّه والإخلاص له، فجعل له خبيئة بينه وبين ربه لم يطلع عليهآ أحد حتى أهله وأولاده..!
فوالله إن هذا لدليل الإخلاص، وسبيل للفوز بمحبة الله – تعالى – ورضوانه.
فقد أخرج الإمام مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله – عز وجل – يحب العبد التقي النقي الخفي).
والخفي: هو الذي يخفي تقواه، وصلاحه، وأعماله الصالحة، يُريدها خبيئة عند الله -عزوجل-.

إذا لم يكنْ لله فِعلُك خالص
فكلُّ بناءٍ قد بَنَيتَ خَرابُ

وهذا يقودنا – أيها الأحبة – إلى معرفة مزايا وخصائص الخبيئة الصالحة:

أولًا: أنها صك براءة من النفاق والرياء، فلا يمكن أن يخالط الرياء وحب الظهور.

ثانيًا: أنها صفة وخصلة الصالحين من عباد الله فحسب، لايمكن للمنافقين أن تكون لهم خبيئة صالحة أو عمل صالح خفي.

ثالثًا: أنها رصيد المؤمنين في أوقات اشتداد الأزمات ونزول الكروبات.
ويكفي في هذا المقام حديث الثلاثة الذين أطبق عليهم الغار.

رابعًا: أنها تدرأ عنك الكثير من المخاطر والأهوال التي كانت توشك أن تقع بك أو بأحد من أفراد أسرتك دون أن تعلم.

وفي الختام: اجعل بينك وبين الله خبيئة صالحة لايعلمها إلا الله، واحذر الخبيئة السيئة.
اللهم اجعل سرنا خيرًا من علانيتنا، واجعل ظواهرنا صالحة.

والحمدلله رب العالمين، وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

حسن مهدي قاسم الريمي

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *