مصابيح الهدى (٨) : خبيب بن عدي رضي الله عنه

"خبيب بن عدي بن مالك الأوسي الأنصاري"إنه الصحابي الجليل خبيب بن عدي - رضي الله عنه - وأحد الأنصار الصادقين، من قبيلة الأوس، لازم النبي صلى الله عليه و سلم منذ أن هاجر إليهم ، وكان عَذْبَ الروح، قوي الإيمان ، شارك في غزوة بدر، فكان جنديًّا باسلاً، ومقاتلاً شجاعًا، قتل عددًا من المشركين من بينهم الحارث بن عامر بن نوفل.و ذات يوم أراد النبي صلى الله عليه و سلم أن يعرف نوايا قريش، ومدى استعدادها لغزو جديد، فاختار عشرة من أصحابه من بينهم خُبيب بن عدي، وجعل عاصم بن ثابت أميرًا عليهم ، وانطلق الركب ناحية مكة حتى اقتربوا منها، فوصل خبرهم إلى قوم من بني لحيان فأخذوا يتتبعونهم ، وأحسَّ عاصم أنهم يطاردونهم ، فدعا أصحابه إلى صعود قمة عالية على رأس جبل ، فاقترب منهم مائة رجل من المشركين وحاصروهم ، ودعوهم إلى تسليم أنفسهم بعد أن أعطوهم الأمان ، فنظر الصحابة إلى أميرهم عاصم فإذا هو يقول: أما أنا فوالله لا أنزل في ذمة مشرك ، اللهم أخبر عنا نبيك. فلما رأى المشركون أن المسلمين لا يريدون الاستسلام؛ رموهم بالنبال، فاستشهد عاصم ومعه ستة آخرون ، ولم يبق إلا خبيب واثنان معه ، هما زيد بن الدثنة ومرثد بن أبي مرثد ، ولما رأى مرثد بداية الغدر حاول الهرب فقتله البغاة، ثم ربطوا خبيبًا و زيدًا وساروا بهما إلى مكة ؛ حيث باعوهما هناك. و عندما سمع بنو حارث بوجود خبيب أسرعوا بشرائه ليأخذوا بثأر أبيهم الذي قتله خبيب يوم بدر ، وظل خبيب في بيت عقبة بن الحارث أسيرًا مقيدًا بالحديد. و ذات يوم دخلت عليه إحدى بنات الحارث فوجدت عنده شيئًا عجيبًا ، فخرجت وهي تناديهم وتقول : والله لقد رأيته يحمل قطفًا (عنقودًا) كبيرًا من عنب يأكل منه، و إنه لموثق (مقيد) في الحديد ، وما بمكة كلها ثمرة عنب واحدة، ما أظنه إلا رزقًا رزقه الله .حاول المشركين ان يفتنوه في دينه فيرتد ولكنه لم يفعل فلما يئسوا منه أخرجوه إلى مكان يسمى التنعيم، وأرادوا صلبه (تعليقه) ، فاستأذن منهم أن يصلي ركعتين ، فأذنوا له ، فصلى خبيب ركعتين في خشوع ، فكان بذلك أول من سنَّ صلاة ركعتين عند القتل. و بعد أن فرغ من صلاته نظر إليهم قائلاً: والله لولا أَنْ تَحْسَبُوا أَنَّ بي جزعًا من الموت؛ لازْددت صلاة ، ثم رفع يده إلى السماء ودعا عليهم: ( اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تبق منهم أحدًا )، ثم أنشد يقول :ولست أبالي حين أقتل مسلما ** على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ** يبارك على أوصال شلو ممزعثم قاموا إلى صلبه ، وقبل أن تقترب منه سيوفهم ، قام إليه أحد زعماء قريش وقال له : أتحب أن محمدًا مكانك ، وأنت سليم معافى في أهلك ، فيصيح خبيب فيهم قائلاً : والله ما أحب أني في أهلي وولدي ، معي عافية الدنيا ونعيمها، ويصاب رسول الله بشوكة.مما جعل أبا سفيان - ولم يكن قد أسلم - يضرب كفًا بكف ويقول : والله ما رأيت أحدًا يحب أحدًا كما يحب أصحاب محمدٍ محمدًا.و ما كاد خبيب ينتهي من كلماته هذه حتى تقدم إليه أحد المشركين، وضربه بسيفه ، فسقط شهيدًا ، وكانوا كلما جعلوا وجهه إلى غير القبلة يجدوه مستقبلها ، فلما عجزوا تركوه وعادوا إلى مكة. و بقى جثمان الشهيد على الخشب الذي صلب عليه حتى علم النبي صلى الله عليه و سلم بأمره، فأرسل الزبير بن العوام و المقداد بن عمرو فأنزلاه، ثم حمله الزبير على فرسه ، و هو رطب لم يتغير منه شيء، وسار به ، فلما لحقهما المشركون قذفه الزبير ، فابتلعته الأرض ، ولم يُعلم عنه شي رضي الله عنه.