عام الإبل / 2024 م

سفينة من نوع خاص، تنقل المشاعر قبل أن تنقل الأجساد والأمتعة،، إنها سفينة الصحراء، ذلك المخلوق العجيب في خلقه، الغريب في أطباعه، ولا عجب في ذلك.

إننا حينما نقرأ قوله تعالى: { أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ } [الغاشية:17].

ندرك تمام الإدراك أن هذا المخلوق يوم أن ذُكر في القرآن ذكر على سبيل الإعجاز وكما ذكر أحدهم : هذه الإبل التي جعلها الله للناس متاعًا يحملون عليها أثقالهم، ويأكلون من لحومها، ويشربون من ألبانها، ويوقدون من بعرها، ويستمتعون بجلودها، لهم فيها منافع عظيمة، لهم فيها منافع كثيرة .

قال تعالى:
{ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ }[المؤمنون:22] ، كما قال -جل وعلا-: { وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ۝ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ۝ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ }[النحل:5-7].

فهي آية، ومخلوق عظيم فيه منافع كثيرة، والله يقول: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ . [الغاشية:17]
ينظرون ما فيها من المنافع العظيمة، والعبر في خلقتها وفي منافعها.
قد يتساءل البعض:
كيف لتلك الإبل أن تنقل المشاعر؟
إن المتأمل في سعة تلك الأرض التي سخرها الله لنا، وكيف أن هذه الإبل تقطعها ليل نهار، يدرك تمام الإدراك أن هناك من يسير معها بمشاعره قبل متاعه، يجوب بها الفيافي والقفار متأملًا، باحثًا عن مصدر رزقه، وموطن سعادته وراحته..

وهناك من تنقله الإبل وهناك من ينقلها حينما تكون مصدر سعادة يبحر من خلالها في ذكرى جميلة وأمل منتظر.

يقول قيس بن الملوح:

أَحِنُّ إِذا رَأَيتُ جِمالَ قَومي
وَأَبكي إِن سَمِعتُ لَها حَنينا

********
سَقى الغَيثُ المَجيدُ بِلادَ قَومي
وَإِن خَلَتِ الدِيارُ وَإِن بَلينا

********
عَلى نَجدٍ وَساكِنِ أَرضِ نَجدٍ
تَحِيّاتٌ يَرُحنَ وَيَغتَدينا

أيها القارئ الكريم:
الإبل مصدر ثقافة وعلم، ومازال العلم الحديث وأبحاثه يثبت لنا العجب والغرابة في تلك الإبل.
وهنا نعود مجددًا لقوله تعالى :
أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية:17].
عام الإبل:
تخصيص عام كامل للإبل دليل على أهميتها، أهمية من حيث أنها ثروة، نعم ثروة لابد أن نتأمل فيها، وندرك بادئ ذي بدء أنها من نعم الله.

تلك الثروة ياكرام ليست وليدة اللحظة؛ بل منذ زمن الرسول محمد عليه الصلاة والسلام ، فقد كان يملك ناقة تدعى القصواء.

وكما تذكر المصادر التاريخية:
( كانت القصواء ناقة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام المفضلة وذلك لقوتها وسرعتها وطبعها الأصيل؛ لهذا كانت مطية الرسول صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، وعندما دخل مكة فاتحاً، وطاف عليها حول الكعبة معتمرًا.

والقصواء كانت راحلة الرسول عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع حيث دعا متكئًا عليها في عرفات، وامتطاها في مزدلفة عند المشعر الحرام، وخطب عليها خطبته المهمة، التي بين فيها للناس أمور دينهم. ففي صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى راحلة الهجرة من أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهما راحلتان اشتراهما أبو بكر، فجاء بإحداهما إلى رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام، وقال له: «فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين. قال رسول الله عليه الصلاة والسلام : ” بالثمن ” قالت عائشة فجهزناهما أحدث الجهاز».

وهذه الناقة هي نفسها التي بركت في مربد الغلامين اليتيمين، والذي اتخذ فيما بعد مكانًا للمسجد النبوي. والمشهور عند الحفاظ والمؤرخين المسلمين أن اسم هذه الناقة (القصواء) اشتراها أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- هي وأخرى من بني قشير بثمان مائة درهم، وباعها أي -القصواء- لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وماتت في خلافة أبي بكر. وكانت مرسلة ترعى بالبقيع.

وصفها سعيد بن المسيب بقوله: كانت ناقةُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم القصواءَ لا تُدفَعُ في سباقٍ -بمعنى أنها كانت لا تسبقها ناقة أخرى.

كان لونها أحمر بين البياض والسواد وأقرب إلى البياض ومكان ولادتها هو مضارب بني قشير بالجزيرة العربية.)

هنا ندرك أن الإبل موروث وثروة، وأنها رمز الأصالة، ومنطلق القوة في التجارة، وحينما يجمع الموروث بين القوة والأصالة فهو يستحق أن نحتفي به ونحافظ عليه؛ ليبقى رمزًا تتوارثه الأجيال.

عام الإبل:
فكرة رائدة، وخطوة إيجابية قامت بها مملكتنا الأصيلة كعادتها في الأفكار المتميزة.
وهنا نقف.. لندرك أننا مسؤولون عن المحافظة على مثل تلك الأفكار والمحافظة على استمراريتها عبر السنين ونقل ذلك لأجيال الوطن المعطاء.

أ.فاطمة بنت إبراهيم السلمان

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *