كانت البدايات مجرد محاولات عابرة، لا أكثر.
ومع مرور الوقت، تحولت تلك المحاولات إلى إنجازات تُذكر، لكنها بقيت حبيسة صاحبها، لم تتجاوز حدود معرفته.
رغم ذلك، ظل يقنع نفسه بأنه معروف وممجد لدى ذوي العلم والمعرفة، وأن إنجازاته تضاهي أصحاب العقول العظيمة.
ومع إصراره الذي لا يعرف الكلل، صدّق هذه الكذبة، وكأنه يُجسد مقولة: “الكاذب يصدق كذبته.” ومع تعاقب الأيام، بدأت أوهامه تترسخ.
رأى في نفسه نورًا يضيء دروب الآخرين ويبصر لهم مواقع أحلامهم، لكنه، ويا للأسف، ظل يغرق في كذبه، غافلًا عن حقيقة أنه لم يتجاوز وهمه.
ومع مرور الوقت، بدأ يظن أن الإلهام الذي يبحث عنه أسمى من التأثير ذاته.
فغرق في هذا الوهم، مستسلمًا لخيالات ذاته، معتقدًا أنه يلهم الآخرين، بينما في الواقع، لم يكن يُلهم إلا ذاته المتقوقعة، تلك الذات التي تنقض أفكارها وأفعالها مع كل محاولة جديدة.
ومع ذلك، استمر في سعيه واجتهاده، لكن الإجابة كانت دائمًا صمتًا لا يجيب.
حتى جاءت الصدمة الأولى حين واجه أحد من يظنهم قدوة. بادره ذلك الشخص بكلمات كانت كصفعة على وجه أحلامه: “صاحب النظرية أو المنهجية لا بد أن يمتلك باعًا وتجربة في مجاله. عليك أن تركز على التقديم أولًا حتى تعرفك الناس، ومن ثم تبدأ بطرح أفكارك.” كانت هذه الكلمات المفتاح الذي فتح له باب الوعي بكذبته التي استهلكت منه الكثير.
ومع ذلك، حاول التمسك بشغفه، متجاهلًا حقيقة أن الشغف وحده لا يكفي، وأن الطموحات الكبرى تستلزم مسؤولية ثقيلة تتجاوز مجرد الحماس.
ثم جاءت الصدمة الثانية، حين حضر أحد الاجتماعات التي ناقشت معايير تصميم الحقائب التدريبية، سمع أصواتهم تعلو بالقرارات القاسية: “لا بد من تطبيق معايير دقيقة عند إعداد أي مادة تدريبية”.
يجب توثيق كل مصدر: في أي ساعة وأي يوم وأي تاريخ، مع تدوين الموقع أو الرابط الذي اقتُبِس منه.” شعر حينها وكأن قيودًا من حديد كُبلت بها يديه، تمنعه من التحليق بحرية في عوالم الفكر، حاول أن يبرر لنفسه بكلمات مقتضبة، لكنها كانت تعبيرًا عن ألمه الداخلي: “لقد أصبحنا نبحث عن مصدر المعلومة أكثر من جوهرها.”
كانت تلك العبارة صدى لما تنبأ به في شبابه، حين قال: “سيأتي يوم يبحث الناس فيه عن أصل المعلومة أكثر من المعلومة ذاتها.”ومع ذلك، لم تكن هذه إلا الصفعة الثانية.
أما الثالثة، فكانت أشد وأقسى.زار يومًا معرض الكتاب، كأنه يبحث عن ضالته بين رفوف الكتب. تجول بين الأروقة، لكنه لم يجد ما يبحث عنه. رأى مؤلفات تحمل أسماء لأصحاب لم يبذلوا جهدًا يُذكر، ومع ذلك كانوا محاطين بالتصفيق الزائف والمديح الجوفاء، حتى أنك تسمع الهتاف لهم وأنت على بعد أمتار من المعرض.
ظل يتجول بلا هدف، حتى أوقفه أحد المثقفين بسؤال: “هل زرت دار النفائس؟ هل قرأت من كتبها؟ وهل تعرف هذا المؤلف؟”كانت الإجابات باردة، والحوار بالنسبة له كشفًا لحقيقة أشد مرارة من كل ما سبق.
في تلك اللحظة، أدرك أنه كان يعيش في وهم كبير، وأن حياته لم تكن إلا كذبة صاغها بيده، لم يكن ملهِمًا ولا صانع مجد كما تخيل، بل كان مجرد مخادع لنفسه، عالقًا في سراب الأحلام التي لم تسعفه يومًا.
وقف أمام هذه الحقيقة حائرًا، عاجزًا عن صياغة جملة واحدة تعبّر عما في داخله، وبعد صمت طويل، قال لمن أمامه:
“لماذا أنت مهذب؟” فأجابه: “لأن هذا أنا، دون تصنع.” كانت تلك الكلمات بمثابة خنجر آخر يغوص في أعماقه.
أدرك أن التصنع كان أساس كل شيء في حياته، وأنه بنى عالمه على أوهام لا وجود لها إلا في خياله.
بدأ يتأمل حياته التي أهدرها في هذا الوهم.
سنوات قضاها بعيدًا عن أهله وأحبته، سنوات أهمل فيها صحته وسعادته.
كان يحلم أن يترك إرثًا خالداً، لكنه الآن يرى أن كل ما بناه لا يتجاوز كونه ركامًا من الخيالات، قرر أن يتخلى عن كل شيء.
ترك المشاريع التي عمل عليها لسنوات، تنازل عن كل ما أنجزه، أقسم أن لا يفاخر بأي عمل بعد الآن.
بات يشعر أن كل ما حققه كان وهمًا لشخصية لا تمت له بصلة، مجرد سراب طاردته سنوات دون جدوى.
وفي خضم هذا الألم، لم يجد ملاذًا سوى قلمه. جلس يكتب، وكأن القلم هو الحقيقة الوحيدة التي بقيت له.
كتب:”كم هو نبيل هذا القلم، يحمل من الصدق ما لم أستطع أن أحمله لنفسي.
هو الوحيد الذي لا يخدعني، ولا يخونني، يبوح بكل شيء دون تردد، ودون زيف.”وفي تلك اللحظة، أدرك أخيرًا أن المجد الحقيقي ليس في التصفيق أو المديح الزائف، بل في التصالح مع الذات، والعيش بصدق بعيدًا عن أوهام المجد الزائف.
مقالات سابقة للكاتب