الوصيّة النبويّة

في زَخْمِ الحياة، وطُغيانِ المادّة، والتَّنافُسِ على الدُّنيا، أخطرُ ما قد يُصيبُ إنسانَ هذا العصرِ هو نِسيانُ النِّعَمِ وَاستقلالُها، وعدمُ شكرِ المولى عليها..

حتى إذا غَرقَ في مُستنقعِ المحاكاةِ المذموم، ووقعَ في أَسْرِ التَّقليدِ المشؤوم، وغابتْ عنهُ جَمالياتُ الأشياءِ التي يمتلكُها، أَظَلَّ رأسَهُ الهمّ، وقفزَ في الظّلام، وتخبَّطَ في حياتِه خَبْطَ عَشواء، وأمسى كَنوداً يَعُدُّ البَلايا وينسى العطايا، وأصبحَ يُردِّدُ بلسانِ حالِه ومقالِه: “لماذا غيري أفضلُ مني؟”، وإن تَعدُّوا نعمةَ اللهِ لا تحصوها..

ومن هُنا تأتي الوَصِيّة النَّبَوِيّة، من رياضِ الوصايا، وبُستانِ المعارف، كباقةٍ من زهور، وهالةٍ من نور، لتُبدِّدَ ذلكَ الاضْطِراب، والغيابَ عنِ الواقع، وتُزيلَ الظَّلامَ الدّامس، كما يزيلُ الصُّبحُ إهابَ الظَّلام..

قال نبيُّنا ﷺ:
“انْظُروا إلى من هوَ أَسفلُ مِنكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقَكُم؛ فإنَّه أجدرُ ألَّا تَزْدروا نعمةَ اللهِ عَليكم” (رواه مسلم).

قال العلَّامة عبدُ الرحمن بن ناصر السعدي، رحمه الله، في شرحِه لهذا الحديث: “قد أرشدَ ﷺ إلى هذا الدَّواءِ العجيب، والسببِ القويِّ لشكرِ نِعَمِ الله؛ وهو أن يلحَظَ العبدُ في كلِّ وقتٍ مَنْ هُوَ دُونَه في العَقلِ والنَّسبِ والمالِ وأصنافِ النِّعَم. فمتى استدامَ هذا النظرَ اضْطَرَّه إلى كثرةِ شُكرِ ربِّه والثَّناء عليه؛ فإنه لا يزالُ يرى خلقاً كثيراً دونه بدرجاتٍ في هذه الأوصاف، ويتمنَّى كثيرٌ منهم أن يصلَ إلى قريبٍ ممَّا أوتيَه من عافية ومالٍ ورِزق، وخَلْق وخُلُق، فَيحمدُ الله على ذلك حمداً كثيراً، ويقول: الحمد لله الذي أنعمَ عليَّ وفضَّلني على كثيرٍ ممَّن خلقَ تفضيلاً.

ينظرُ إلى خلقٍ كثيرٍ ممَّن سُلبوا عقولهم، فيحمدُ ربَّه على كمالِ العقل، ويشاهدُ عالماً كثيراً ليس لهم قوتٌ مُدَّخر، ولا مساكنُ يَأْوون إليها، وهو مطمئنٌ في مَسكنِه، موسَّعٌ عليه رزقُه.

ويرى خلقاً كثيراً قدِ ابتُلُوا بأنواعِ الأمراض، وأصنافِ الأسقامِ وهو مُعافى من ذلك”، انتهى كلامُه رحمه الله.

ولكي لا نذهبَ بعيداً ويظلَّ الكلامُ متجانسًا واضحَ الهدف، ألَا تَتَّفقُ معي بأنَّ السعيدَ هو من امتلكَ القناعَةَ، وارتاحت نفسُه من التّفاصيل الخيالية، وعلم بأنَّ الحياةَ مهما كانت عليه منَ الجمال، تبقى كما قيل: “بجمالِ يوسفَ وحزنِ أبيه وفسادِ إخوته”، وانظرْ عندما تتحدَّثُ إلى رجلٍ طاعنٍ بالسنّ، أصابَ شيئاً منَ الحكمة وعرفَ الدُّنيا ومآلها، عن لذَّات الحياةِ وشهواتها، وهو ينظرُ إليكَ في عيونٍ زجاجية، وكأنه يتأمَّلُ مشهدًا سينمائيًّا، تحتَ تأثيرِ تعاقدٍ مسبق، بأنَّ هذا المشهدَ غيرُ واقعيّ، لأنه أشرفَ على الرَّحيل، ودنا أَجَلُه، علم أنَّ هذا سيذهبُ كلُّه، ولن يبقى للمرءِ سوى عملِه..

تلك هي الحقيقةُ التي متى استقرَّت بالقلبِ أصبحتْ كالشَّجرة الوارفةِ تُؤْتِي أُكُلَها كلَّ حين.

قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾

قالَ الإمامُ الطبريُّ رحمه الله: وَأَوْلى الأقوالِ بِالصَّواب: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياةً طيّبةً بالقناعة، وذلكَ أنَّ مَنْ قَنَّعَهُ اللهُ بما قسمَ له من رزقٍ لم يكثرْ للدُّنيا تعبُه، ولم يَعظم فيها نَصَبه، ولم يتكدّرْ فيها عيشُه باتّباعه بغية ما فاته منها، وحرصه على ما لعلَّه لا يُدركه فيها.

وصلّى الله وسلم وبارك على نبينا محمد..

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *