هناك بعض من التساؤلات التي جالت بخاطري، لماذا يصر بعضنا على قطع وشائج المودة والمحبة بين الناس، وفقد كل عزيز له، ولمَ يخلق عداوات بلا مبررات تستحق، ولماذا نسئ للنعم التي يهبها الله لنا؟، ولماذا لا نتحلى بالأخلاق التي تُرغِّب الناس في صحبتنا؟، ولماذا لا نكون معتدلين في أحكامنا وتوجيهاتنا؟، ولماذا لا نمرر أمورًا لا تستحق الوقوف عليها؟، ولماذا نكرر سلوكياتٍ سلبيةً لم تجدِ نفعها من قبل وننتظر نتائج مختلفة؟
العتاب مصطلح يقع بين المدح والذم فيتسم تارة بالإيجابية وأخرى بالسلبية، وإن كان الأصل فيه الإيجابية فهو حب زوال النقص عند من نحب، فالعتاب خطاب موجه للمقصر بلطف مذكرًا إياه بما كرهه منه باختيار ألطف الكلمات وأفضل العبارات في أنسب الأوقات، إلا أن البعض أساء استخدامه فتحول من تذكيرٍ لطيفٍ إلى تنبيه متكرر سخيف؛ حتى وصل الحال به إلى درجة الإدمان، فأصبح عادة وصفة ملازمة لا تنفك عن صاحبها، لا يتوانى لحظة في إظهار لومه وعتابه وامْتِعَاضِهِ ، فيبدأُ بإطلاق أسئلته المتكررة لمن يعرفه عن كل صغيرة وكبيرة ولا يترفع عن صغار الأمور ، يوجه أسئلة بلهجة هجومية لماذا فعلت هذا؟ ولماذا لم ترد على كذا؟، وقد قصدتك في قضاء حاجة ولم توفها لي، وانتظرتك تبادرني بالسؤال عني، ولمَ كان سلوكك في الموقف الفلاني كذا…..إلخ
أسلوب سخيف متكرر يستخدمه البعض لدرجة قد تضطر بعض معارفه وأحبائه إلى اختلاق أعذار وهمية، حتى يسلم من شر تساؤلاته وتدخلاته، وهو بهذا ارتكب جرمين في حقهم، فأرهقهم بكثرة لومه وعتابه، ثم اضطرهم لخلق أسباب وهمية قد توقع صاحبها في مصيبة أكبر وهي الكذب.
داء عضال تفشى في نفسيات مريضة، فباتت تفتش في نوايا الناس وتتساءل عن أفعالهم تميل للغضب السريع والاستياء من كل تصرف تراه لدى غيرها، وتحتاج إلى مبررات كثيرة للاقتناع وأكثر منها لقبول الاعتذار، ومن منا لديه مبرر لكل فعل يفعل؟ أو إن صح القول من منا يمتلك وقتًا وسعةَ صدرٍ ليعطي مبررا لكل موقف؟!!.
إن العتاب المتكرر يشبه في الحقيقة الأمواج التي تضرب شواطئ البحار بلا توقف؛ لا تترك لها فرصة للراحة أو الاستقرار، تنحت في العلاقات حتى تفتتها.
إن هؤلاء الفئام الذين يدمنون العتاب يعيشون في حالة دائمة من الترقب، يفتشون عن الزلات الصغيرة، ويتوقفون عند التفاصيل الهامشية، وكأنما يبحثون عن أسباب جديدة لم يقفوا عليها من قبل للوم الآخر، كأن السابق لم يكفيهم، فيتحول العتاب بهذا إلى مناخ مرهق للطرفين، يدفع بالعلاقات إلى زاوية ضيقة تختفي فيها مساحة التسامح وتتلاشى لحظات السعادة والأنس والفرح.
فإدمان اللوم والعتب من الأسباب الرئيسة في فقد الأحباب، إذ إنَّه يرسل برسائل سلبية كثيرة من العاتب إلى المعتوب عليه مؤذنة بقطع العلاقات منها: “أن المعاتب لا يحتمل لأخيه أدنى شيء منه، وأنه دائمًا ما يسيء الظنَّ بأخيه، وأنه ينظر إليه بعين الاتهام بالتقصير، وكلها أمور تنتهي بالصداقات الراسخة، والأخوة الصادقة إلى القطيعة الدائمة”
وهذا لا يعنى ألا يكون هناك عتاب بين المحبين، بل الأصل في ذلك العتاب الإيجابي اللطيف غير المتكرر، فالوسطية والاعتدال مطلب ضروري في كافة التعاملات الحياتية، فلا غلو ولا تفريط.
كما يقال: “العتاب على قدر المحبة”. فكلما كان العتاب رقيقًا ومنصفًا، عبّر عن عمق الحب والرغبة في الحفاظ على العلاقة. لكنه إن تجاوز حده، تحول إلى شكوى مؤلمة، وربما أفسد الود الذي يسعى لإصلاحه. فالعتاب الحكيم يحتاج إلى توقيتٍ مناسب، ولغةٍ تخلو من التجريح، وهدفٍ واضح هو المصالحة لا الإدانة.
قال أبو حاتم البستي رحمه الله : لا يجب على العاقل أن يناقش على تصحيح الإعتاب بالإكثار؛ مخافة أن يعود المعاتَب إلى ما عوتب عليه؛ لأن من عاتب على كل ذنب أخاه، فحقيق أن يمله، ويقلاه، وإن من سوء الأدب كثرة العتاب، كما أن من أعظم الجفاء ترك العتاب، والإكثار في المعاتبة يقطع الود، ويورث الصد.
وفي الختام: فإن حسن العتاب والتوجيه والنصح من الأخلاق المحمودة في الإسلام، والعتاب دائمًا ما يكون بين المحبين أو من لهم في قلوبنا مكانة، فلا نعاتب إلا من نريد لهم الخير، والواجب على العاقل إن رأى ما لا يسره من صديق أو قريب أو حبيب أن يعاتبه بلطف ولين وذلك لحق الأخوة والصداقة والقرابة، فكلٌ يريد أن يرى من يحب في أحسن صورة، شريطة ألا يخرج هذه العتاب عن المألوف وألا يتحول إلى إدمان.
فإدمان العتب هو في الحقيقة سوء أدب حوَّل صفة إيجابية يطمئن بها المرء على من يحب، ويحاول جاهدا التوجيه إلى ما فيه الخير والصلاح، إلى صفة سلبية يشمئز منها الناس، فكثرة العتاب تورث الضغينة وتولد البغضة، وهي في الحقيقة مثل الدواء إذا استعمل لغير علة عارضة، تحول إلى داء أدى إلى الاجتناب والقطيعة والخصام.
قال بشار بن برد واعظًا من العتاب:
إذا كنت في كل الأمور معاتبًا
صديقك لم تلق الذي لم تعاتبه
*****
فعش واحدا أو صل أخاك
فإنه مقارف ذنب مرة ومجانبه
مقالات سابقة للكاتب