واغفر لأبي

الموتُ مصابُه عظيمٌ، ومشهدُه مهيبٌ، تنخلع منه القلوبُ، وتقشعرُّ له الأبدان، فهو فاجعةٌ سماها الله مصيبةً، وأي ألم أشدُّ على النفس من فقد الأحبة الغالين، وأيُّ كرب في الدنيا أعظمُ من فراق أغلى المحبوبين، وأيُّ يدين تطاوعانك على تغييبِ والدك في صَدعٍ من الأرض؟، وأيُّ قلب يطاوعك على تركه متوسداً الترابَ؟! بيد أنه لا تسخُّطَ على أحكام الله تعالى في عباده.

تُختصر لك الحياةُ الدنيا، وتتضح لك حقيقتُها حينما تُمضي ساعاتٍ في مغسلة الموتى تنتظرُ اللحظات الأخيرة التي بقيت لميتك فوق الأرض، وتنظر إلى الغادين والرائحين، فتشعر بأن الدنيا لهو ولعب، وحينما تنزل في القبر باختيارك، وتخرج منه باختيارك تشعر بفسحة الدنيا والأمل، وتستشعر روعة القبر وهوْلَه، فتستذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (مَا رَأَيْتُ مَنظَرًا قَطُّ إِلاَّ وَالقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ) أخرجه أحمد والترمذي.

في يوم الأحد 3/ 8/ 1446هـ الذي هو اليوم الأخير من حياة الوالد عبدالرحمن بن ناصر اليمني ـ رحمه الله ـ وبعد زوال الشمس وتوسطِها في كبد السماء طلبَ إحضار أحدِ الطهورين، فأحضِر له فتوضأ، فصلى الظهرَ، وبعد انتهائه من فرض الله عليه فاضت روحُه إلى بارئها، ولا عجبَ، فمن عاش على شيءٍ مات عليه، وكانت وفاتُه طبيعيةً بعد تسع سنوات من المرض الذي لا يتحمله إلا من أنزل الله عليه الطمأنينة، والاحتساب، وطلبَ الأجرِ من الله تعالى، فقد ابتلاه الله بعدة أمراض خطِرة لا يتحملها إلا ذو صبر ورضىً وإيمانٍ بأقدار الله تعالى.

تعلم الوالد- رحمه الله- في بداية طلبه على الشيخ محمد بن أحمد المُهيني، وقرأ عليه جزء (عم) ثم انتقل إلى الشيخ أحمد بن عتيق، ثم بعد ذلك التحق بمدرسة ابن عباس الابتدائية، ودرس فيها لمدة ثلاث سنوات، وفيها تلقى مبادئ القراءة، والكتابة، والحساب.

وكان قد نشأ في (العوامر) في كنف والده ناصر بن راشد اليمني ـ رحمه الله ـ وأمضى صباه ومستهلَّ شبابه بها، حيث تزوج في سن الخامسة والعشرين من الوالدة الغالية: نورة بنت راشد بن سعيد اليمني ــــ رحمها الله تعالى ـــ وكانت نِعْم الصاحبة له عشرةً، ورعاية، وحرصًا، وتحملاً للمسؤولية، وأدى فريضة الحج وعمره ستة وعشرون عامًا، ثم اشتغل بالبيع والشراء، فكان سمحًا إذا باع، وسمحًا إذا اشترى، وعُرف بحسن التعامل مع الناس، والسماحة في البيع، وكرم النفس، ولين الجانب، لا يفرق في ذلك بين صغير وكبير، أو عزيز أو وضيع، وكل من خالطه أحبه، وكان واسعَ العلاقات مع الناس، تندهش بصِلاته مع أُناس يكبرهم بأكثر من خمسين عامًا، لكنه يحبهم ويحبونه، ويأنسون به، وبينه وبينهم مواقف رائعة يتذكرونها لجمالها وروعتها.

وكان له ـ رحمه الله ـ روح جذابة، فإذا دخل المنزل تهافتَ عليه الصغار يمنة ويسرة، وإذا أنهى صلاتَه في مسجده في أي وقت التفت يمنة ويسرة باحثًا عن ضيف يكرمه، وله أنسٌ بمن يجالسه. ومرة دخل مستشفى العيون لإجراء عملية في عينه، فتحولت غرفته إلى مجلس ضيافة وإكرام للمرضى.

وله ـ رحمه الله ـ في ردهات المجالس ذكرى، وفي كواكب المعزين مواقف تحكى، وهب الله له صفاتٍ عظيمة اجتمعت فيه وتفرقت في غيره.

رحل الوالد إلى دار البرزخ وقد ترك وراءه إرثا كبيرًا قوامُه محبةُ الناس التي كسبها من خلال تعامله الحسن، وبشاشته، ولطفه، ونبلِ أخلاقه مع الصغير والكبير، وهذه هبة ونعمة من الله تعالى، فقد كانت القلوب له مدينةً بالحب فبكته القلوب، وذرَفت على فقده العيون.

تحلى الوالد ـ رحمه الله ـ بصفات رددها المعزُّون صغارًا وكبارًا على اختلاف أعمارهم، بين ثناء يذكر، ومدح يُشاد، وموقف نبيل، وتواضع متوازن، وكرم أصيل، فحينما يثني القريب والمخالط فهذا ليس بمستغرب، لكن ثناء الأبعد غير المخالط يدل على الصيت الحسن، والسمعة الطيبة، وعلى لسان صدق في الآخِرين، وقد قال لي أحد طلاب العلم العباد في المسجد النبوي في المدينة: إني أدعو لوالدك في صلوات الجنازة منذ علمت بوفاته وهو لم يره.

والكلامُ عن الحبيب الغالي تعجز الجمل أن تسعفك برصِّ عباراته المناسبة وتنميق القول الأخَّاذ، ولكن هذه مقتطفات سريعة قيلت في سياق العزاء، فهذا أحد المحبين للوالد ـ رحمه الله ـ لما قال الإمام للصلاة عليه: (الصلاة على رجل) قال المحب وهو في الصفوف الأخيرة بصوت واضح: (نِعم الرجل، نِعم الرجل) ومن المقتطفات التي ترددت على لسان المعزين صغارًا وكبارًا: (هذا والدنا، هذا أبونا، نحن نُعزَّى فيه) فهذا الإرث التاريخي، وعمق العلاقة، وصدق المحبة من الناس لم يأت من فراغ، بل من صفات عملية تحلى بها ورآها الناس مثالأً يُحتذى، يجمعها حسن الخلق الدائم، وجمال التعامل، والسماحة والمسامحة، ولين المعشر، والكرم الحاتمي، والتواضع المتزن، وصغرُ النفس، والحلمُ الراسخ الذي لا يزجزحه شيء، فقد كان نادر الغضب، فمع امتداد أيامه كانت غضباته تعدُّ على الأصابع، فقد عاش صديقًا وفيّا، وأبًا للصغير، وأخًا للكبير، وسندًا للبائس والمحتاج، ذا رأي رشيد في المدلهمات، وحزمٍ قويٍّ في الخطوب، قال مرة : من أراد الصلح فلا يجرجر الكلام الماضي.

رفع الله شأنه بجنازة مشهودة، والناس شهود الله في أرضه، عليه من ربه رحمات زاخرة، وأنزل الله على قبره شآبيب الرحمات، وأسكنه الله بحبوحة جنانه.

عبدالله بن عبدالرحمن بن ناصر اليمني

مقالات سابقة للكاتب

4 تعليق على “واغفر لأبي

خالد بن محمد الأنصاري

اللهم أغفر له وأرحمه وعافه وأعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله وأغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس برحمتك يا أرحم الراحمين.

حسين محبوب محمد

اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نُزُله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.

وليد

اللهم اغفر له وارحمه ووسع مدخله وأسكنه الجنة
وعافه وأعف عنه وبيض وجهه يوم العرض عليك

مبشر مشتاق

رحمه الله تعالى وغفر له، اللهم اغفر له وارحمه واسكنه فسيح جناته يارب العالمين ويلهمكم الصبر والسلوان وانا لله وانا اليه راجعون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *