فيدارسه القرآن

🖋️واحد من الأسئلة الكبرى التي تحاصر كثيرين في شهر رمضان بالذات: كيف أنجح في استثمار الشهر؟ ما الطريق إلى تحقيق أعلى إنتاجية في أيامه ولياليه؟ كيف أحقق تلك الغاية الكبرى (لعلكم تتقون) ؟ والنفوس التي تحاصرها أسئلة العمل وصناعة التحديات هي النفوس الحية المؤهلة لتلك النجاحات ، وأضر ما على الإنسان أن تُسلب الدهشة من قلبه ومشاعره في مثل هذه المناسبات.

لقد عرض لنا ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حال رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان وذكر لنا بأنه كان أجود الناس (وكان أجود ما يكون في رمضان) فما السر في زيادة جوده صلى الله عليه وسلم في رمضان بالذات ؟ ولماذا كانت تلك الزيادة كبيرة ومدهشة للدرجة التي كان فيها صلى الله عليه وسلم (أجود بالخير من الريح المرسلة) فقال : (حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن) فأبان لنا عن السر الباعث لهذه الفاعلية في حياته صلى الله عليه وسلم للدرجة التي يكون فيها جودة أشبه بالريح المرسلة، وأن تلك اللقاءات التي كانت تجري مع جبريل عليه السلام في رمضان بالذات حول كتاب الله تعالى كانت هي وقود تلك الحركة الفاعلة في حياته في ذلك الحين ، والمدارسة هي ما يقع بين اثنين فأكثر، وقد ألمح صلى الله عليه وسلم إلى بركتها وأثرها فقال صلى الله عليه وسلم (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده) ومادة هذه المدارسة كتاب الله تعالى تفسيراً وتدبراً، فكأن القارئ لكتاب الله تعالى المتدبر له يكتسب من المعاني الروحية والمفاهيم الفكرية ما تجعله ميداناً للتجربة التطبيقية بعد تلك الأوقات التي قضاها مع كتاب الله تعالى ، وعلى هذا المنهج كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذون عشر آيات فلا يجاوزونها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل، وفي رحاب هذا المعنى قال الله تعالى (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب)، وإذا تقرر هذا المفهوم فينبغي أن نتوجه إلى هذا القرآن في كل وقت وفي هذا الشهر على وجه الخصوص بشرط أن يشترك في هذا التوجه (التلاوة والمدارسة التدبرية التي تُحدث الإيمان)

مدهش جداً تلك ذلك التحلّق على كتاب الله تعالى في هذا الشهر والحرص على ختمه عدداً من المرات وصرف الأوقات له، وغاية تلك الدهشة أن تجعله مصدراً لحياة قلبك وبناء أفكارك ومفاهيمك وتصحيح تصوراتك.

فإن قلت : كيف ذلك ؟ كيف أتدبر القرآن ؟ مع من أتدارسه؟ ما الطريق إلى هذا المعنى الكبير ؟ فيقال لك : اجعل لنفسك ختمة تدبرية ، تحلَّق حول جزء من أجزاء القرآن، أو سورة من سوره وركّز وأنت تحاول أن تتدبّر على جوانب العمل فيها وحاول أن تخرج منها بمنهج في بناء أفكارك ومفاهيمك وتكوين عاداتك، جرّب أن تبحث عن طالب علم أو مجموعة تتدبر معهم خلال الشهر، ابحث في جوالك عن مشروعات تدبرية لكتاب الله تعالى على أن تركّز على العلماء الموثوقين في ذلك، اقرأ في كتب التفاسير والتدبر القريبة لفكرك ومناسبة لمفاهيمك، وأذكرك بأنني حاولت أن أقرّب لك بعض هذه المعاني التي أشرت إليها من خلال كتاب (القرآن وصناعة الدهشة ، علمني القرآن ، والخارطة القرآنية، ورحلة تدبر) وآثار أهل العلم في ذلك قديماً وحديثاً مبسوطة فليكن ذلك منك على بال.

وأخيراً: قرر أن يكون التدبر جزءاً من يومك وبعضاً من منهجك، وعادة من عاداتك في التعامل مع كتاب الله تعالى وسترى كم هو أثر هذا القرار عليك في مستقبل الأيام.

الأحد 6/9/1446هـ

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *