خاطرة مودِّع

🖋️‏بعد ساعات قليلة، سأودِّعها إلى الأبد، سيكون وداعًا دراميًّا وأبديًّا سرمديًّا. نعم، سأودِّع فترة “الثلاثينيين” إلى الأبد، وأدخل غمار “الأربعينيين.”

‏إحساس غريب لا أدري كيف ينبغي لي أن أراه، الأيام تمضي أسرع بكثير مما تصوَّرت، وبمعنى الكلمة، كلمح البصر.

‏أتذكَّر أنه قبل بضعة أسابيع، اتصل بي مسؤول في إحدى الجامعات السعودية، وقال لي بالحرف الواحد: “نتمنى أن تلقي محاضرة للأجيال القادمة لدينا بمناسبة يوم التأسيس.” فرددت عليه سريعًا: “لكنني من الأجيال القادمة!”

‏فضحك، ثم قال – وليته لم يقلها – “إن الشباب والشابات بحاجة إلى الاستفادة من تجربتك.” عندها شعرت وكأنه تم إقصائي من فئة الشباب، رغم أن الشيب لم يغزُ رأسي بعد. فأنا، بمعنى الكلمة، أشعر شعورًا حقيقيًّا بأن مشواري لم يبدأ بعد، ولم أحقق حتى ربع ما أطمح إليه، بل كثيرًا ما أتساءل عمَّا أريده حقًّا.

‏ما زلت أشعر بأنني في العشرينيات، بطموحات كبيرة ومستقبل مفتوح أمامي، لكن الرقم أربعون بدأ يدبّ في قلبي القلق.

‏سألت شقيقي أسامة، وهو يكبرني بسنتين، عن شعوره عندما دخل سن الأربعين، فقال لي: “أكثر ما سيتغير فيك هو أنك، بلا شك، ستظل توقِّر وتحترم كبار السن، لكن في الوقت نفسه، سيتلاشى لديك الإحساس بالحواجز العمرية التصاعدية، وستشعر بأنك من نفس فئة الخمسيني والستيني وما بعدهما.”

‏وسألت صديقي المتفائل دائمًا أبا سارة، الذي دخل الأربعين قبل سنة، عن شعوره حينما بلغ هذا العمر، فقال: “عدت طفلاً لا يهمني سوى لحظتي، لا أندم على ما فات، ولا أفكر في المستقبل، فالحاضر هو حياتي.”

‏وسألت صديقي الأربعيني الآخر، أبا مشعل، عن الأمر ذاته، فقال لي بالحرف الواحد: “ما دمتَ لم تصل إلى مرحلة تقبيل الآخرين لرأسك، فأنت بخير!”

‏على كل حال، وداعًا للثلاثينيات، ومرحبًا بالأربعينيات، وأسأل الله أن يوفقنا في طاعته. وترقَّبوا الخاطرة التوديعية التالية بعد عشر سنوات، إذا أحيانا الله، ويبدو أنها ستأتي كلمح البصر.

سلمان الأنصاري
‏١٥ مارس ٢٠٢٥

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *