قارب الذكريات.. حين تسكنه الأشباح في عرض بحر هادئ…
ظهر القارب! لم يكن يشق الأمواج… بل يشق القلب.
كان يمضي دون مجاديف، تحركه رياح لا تُرى، وتقوده يد لا تُمسك.
قارب صغير، لكنّه يحمل على متنه وجوهًا عرفتها، وأصواتًا سمعتها، وألمًا حسبت أني دفنته منذ زمن بعيد.
قارب الذكريات… حين تسكنه الأشباح، لا يصرخ، لا يهدد، بل يمرّ بهدوء… ويتركك تغرق في تفاصيله.
يفتح نوافذ الذاكرة التي أغلقتها بإحكام، ويعيدك إلى لحظة، نظرة، كلمة، ظننت أنك نسيتها… لكنها لم تنسك.
كلما ابتعدت… ظهر القارب من جديد. كأنه لا يُبحر… بل يلاحقك.
تعلمت أنني لا أستطيع أن أُغرق القارب، لكنني أستطيع أن أتعلم كيف لا أركب فيه مرة أخرى.
فبعض الذكريات… نودّ لو نمحوها، لكنها كالأشباح… لا ترحل، بل تتعلم كيف تعيش معنا في الظل.
وهكذا… تعلمت كيف أتعامل مع قارب الذكريات حين تسكنه الأشباح:
لم أعد أهرب منه، بل نظرت في عينيه.
لم أعد أقاوم وجوده، بل فتحت نوافذه، وواجهت ما فيه.
أخرجت منه الأشباح… لا بالصراخ، بل بالفهم.
اكتشفت أن ما كان يؤلمني لم يكن شبحًا، بل صوتًا لم يُسمع، ووجعًا لم يُفهم.
أعدْتُ ترتيب الصور بداخله:
– ما يؤلمني طويته.
– وما يبتسم لي احتفظت به بعناية.
لم أغرق في القارب… بل تعلمت كيف أطفو فوق مائه، وأحمل منه ما يعينني على الرحلة، وأترك ما يُثقلني في قاعه دون ندم.
اليوم، لم يعد القارب شبحًا… بل أصبح شاهدًا على أنني عبرت، وما زلت أبحر… بقلب أخف، وذاكرة أنقى.
✍️إبراهيم الشريف
مقالات سابقة للكاتب