( من المدرسة إلى النطع )
حياتنا مواقف وصور … ما مر منها نستعيده فيما نسميه ذكريات ، وماهو مقبل نتخيله ! كذلك في صور نلونها بتوقعاتنا المختلفة …
وقد كان لي في ميدان العمل كمٌ من التجارب والمواقف ! التي هي فعلا صور من الحياة عاشها الجميع مثلي ، رسمناها نحن أو فُرض علينا رسمها في الطريق ، الذي حتى وإن طويناه فآثاره لايمحوها مر الزمان وكر الجديدان .
اليوم في خروج عن واقع ما تراه عيناي وما كنت أعيشه في اللحظة ، لا أعلم لماذا تقهقرت بي قافلة السير وبسرعة لتوقفني دقيقة عند محطة كنت قد مررت بها قبل عشرين عاما تقريبا ! لتقع عين الذاكرة على موقف أصفه لكم كأنه للتو مر بي فأقول :
⁃ أيام كنت أعمل في مكتب التعليم في محافظة رابغ ( تلك الفترة التي يطيب لي وصفها بالذهبية ) طلبت منا إدارة التعليم المشاركة في لجان اختبارات المساجين الذين حفظوا القرآن كاملا ، ليكافَؤوا بتخفيف مدة السجن أو إنهائها ..
فكلفت مشرفا تربويا قديرا ( سلطني عليه كوني مديرا للمكتب ) وهو من خير من عرفت صلاحا وحسن خلق وحرصا على العمل ، ورقّة شعور ورحمة بالناس ، فسافر إلى جدة واختبر عددا من المساجين حتى وصل الدور ذاك السجين الذي كان في ريعان الشباب – حسب وصفه – بل في زهرة عمره ، في العشرينات منه ، واستمع له مقاطع مختلفة حسب الاختبار المقرر ، وقد أعجبته تلاوة السجين صوتا شجيا ، وترتيلا مؤثرا وحفظا قويا ، وترسلا منطلقا ! فتركه يتلو وهو منصت مستمتع ومندهش من إمكانات هذا السجين من مهارات قرائية وتجويد وجمال صوت أجش رخيم …
⁃ يقول : حتى خشيت أني أجهدته فقلت له : حسبك ، أنت قد نجحت في الاختبار بامتياز ، لكني أحببت الاستماع لك فتركتك تتلو … ودعا له بأن يُفك من السجن أو تخفف عنه المدة .
شكره السجين وقال: لكني محكوم علي بالقتل تعزيرا ! بسبب شلة مخدرات ورطوني معهم .
⁃ يقول المشرف التربوي : أصابني من الذهول ما أُرْتج علي بسببه ! فما عرفت ماذا أقول ، وتمتمت لأقول شيئا ، فلم أقل غير ( طيب أنا أسلم عليك … تأمرني بشيء)؟ وقد نهضت كأنني سأفرُّ من هول ما أحسست به ! شاب في هذا السن المبكرة استطاع أن يحفظ القرآن بهذه الجودة ويتلوه بهذا التجويد والجمال سيقتل بحكم شرعي ؟! إنه شر المخدرات العظيم !
فرد علي قائلا : نعم يا أستاذ لي طلب واحد .
إن كنت تستطيع إبلاغ مدير المدرسة والمرشد الطلابي والمعلمين أنهم لو لم يطردوني من المدرسة لما كنت هنا ضحية شلة مخدرات …ومصيري هو القتل !
– عندما حكى لي الزميل هذا الموقف حجب بصري لحظتها حاجب من الذهول والحزن على الشاب وتحسرا على تقصير تسبب في هذا وإن لم يكن لي فيه ذنب فليست الحادثة في محافظة رابغ أصلا ، لكنه خبر مؤلم فهو خطأ وقع في ظل عدم تصور من مدرسته لعظمه !
وربما أسقطوا الأسباب على أسرة هذا الطالب وعلى الطالب ، وبرأوا أنفسهم ثم عذروها ! كما نسمع ويحدث من تعذير النفس وتبرئتها لذاتها ، فالاسقاط على الآخرين مساحة مزدحمة.
والآن مع لحظة استعادة الصورة هذه.. يتمثل في نفسي الإحساس بسوء عواقب التقصير مقصودا كان أو غير مقصود -فيقينا- المدارس محاضن تربية ومقاعد تعلم ومنابع معرفة وميدان قدوات وفرص إصلاح…
وليس هذا الشاب حالة فريدة أو نموذج شاذ .. إنما عينة وبالتأكيد غير ممثلة لأمثاله .. لكنها إشارة تضيء بوميض أحمر لينتبه كل فرد في ميدان التعليم بل في المجتمع كله لدوره وعظيم مسؤوليته تجاه الناشئة، وتجاه الوطن ، ومع الجهات الأمنية في كل مامن شأنه بناء الوطن وحفظه .
أحمد مهنا الصحفي
مقالات سابقة للكاتب