سارقو الثناء

🖋️ نحن في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتُقاس فيه النجاحات والانتصارات بالصوت العالي ، يظهر مجموعة من الناس المتخفين ، يتفنن في نسب الفضل لنفسه، ويصعد على أكتاف المبدعين المجتهدين، متوشحًا برداء لم ينسجه بيديه، هؤلاء يطلق عليهم “سارقو الثناء”.

وقد وصفهم القرآن الكريم بدقة بليغة في قوله تعالى:
﴿ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا﴾
[سورة آل عمران: 188]
وهي آية تحمل في طياتها نقدًا صريحًا لتلك النفوس التي تتعطش للمدح على أعمال لم تُنجزها، وتطمح للتكريم دون جهد أو عطاء.
إنها صورة من صور الزيف الأخلاقي .

سارقو الثناء لا يبحثون عن الإنجاز الحقيقي، بل عن الأثر المزيف ، يقتاتون على تعب غيرهم، ويتزيّنون بنتائج لم يكونوا جزءًا منها، وربما اكتفوا بدور المتفرج، أو المحبط، أو حتى المُعيق، ثم يظهرون في لحظة التتويج، كأبطال وهميين.

وقد حذّر السلف من هذه الصفة الذميمة، قال ابن كثير في تفسيره للآية:
“أي: يفرحون بكل ما أوتوا من المال والجاه، ويحبون أن يُمدحوا بما ليس فيهم، يريدون أن يُمدحوا بصفات ليست فيهم، وأعمال لم يعملوها.”

ولعل من أخطر آثار هذه الظاهرة أنها تزرع الإحباط في نفوس العاملين الحقيقيين، وتقتل روح الإبداع، وتبني ثقافة المجاملة والتصنّع على حساب الكفاءة والإنجاز، وتخلق بيئة سامة تطرد أصحاب المواهب وتستقطب المتملقين.

علينا نواجه سارقو الثناء بالوعي والتمييز:
لا بد أن نكون واعين لمن ينجز فعلًا، ومن يتقمص الإنجاز.
بثقافة التوثيق: توثيق الجهود والمبادرات يحمي الحقوق، ويكشف الحقائق.
بإنصاف العاملين: لا يُترك المجتهد خلف الستار، ولا يُرفع الكسول فوق الأكتاف. وبغرس القيم: لا بد أن نُعلّم أبناءنا أن المجد لا يُسرق، بل يُصنع.

وفي الختام، تبقى الحقيقة الثابتة:
أن من لا يصنع المجد بنفسه، لن يستطيع ارتداءه دون أن يظهر عليه أنه زائف.

وكما قيل:
“من عاش بوجهٍ غير وجهه… ضاع عمره في تمثيل لا يُصدقه أحد”.

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *