مع التسارع الكبير الذي نعيشه اليوم في كل تفاصيل حياتنا، بدأنا نلهث خلف إنجازات متسارعة قد لا تحمل قيمة فعلية عميقة.
نحتفل بالإنجازات الكبيرة وننسى أن هناك معارك صامتة تستحق التصفيق أيضاً..
بات مقياس النجاح محصورًا في النجاحات الملموسة التي تمس جانبًا واحدًا فقط من جوانب الحياة، كالدراسة الأكاديمية أو العمل، وكأن الإنسان لا يعيش إلا لهذين الجانبين.
نعم، هما مهمان وضروريان، ولكن هناك جوانب أخرى لا تقل أهمية، بل قد تفوقهما أحيانًا.
لقد أصبح تقييم الإنسان لنفسه وللآخرين محمَّلًا بالكثير من القسوة والجحود، وغفلنا عن كثير من الإنجازات التي كانت جديرة بالحفاوة والتقدير.
على سبيل المثال لا الحصر، وبما أننا مقبلون على نهاية عام دراسي تكثر فيه حفلات التخرج، دعونا نتأمل قليلًا:
عندما نحتفل بتخرج أحدهم، هل فكرنا يومًا في مشقة الرحلة التي خاضها؟ هل شعرنا بكل الظروف القاسية التي مر بها واستطاع أن يتجاوزها بثبات؟
لا أقصد هنا ضغوطات الدراسة المعتادة، بل أقصد الظروف الحياتية المحيطة التي قد تُبكي الحجر.
لهذا، أعتقد أننا مدعوون للاحتفاء بكل من واجه ظروفًا قاسية واستطاع أن يستمر دون أن يفقد إنسانيته.
وهل تأملنا حال الموظف البسيط الذي لم تُتح له فرصة استكمال تعليمه، ولم يحصل على وظيفة مرموقة، لكنه يجاهد يوميًا ليؤمّن لعائلته حياة كريمة بمالٍ حلال؟
يعمل ساعات إضافية مرهقة، ليكمل احتياجات أطفاله ويدعمهم لتحقيق أحلامهم رغم التعب والإجهاد. أليس هذا الرجل جديرًا بالاحتفاء والتقدير؟
وهل فكرنا يومًا بالمرأة التي لم تُكمل تعليمها ولم تعمل يومًا، وعاشت معاناة قاسية، لكنها ظلت الأم الحنونة الداعمة، ولم تفقد إنسانيتها رغم الألم؟
هل نملك أن نحتفي بهؤلاء الأمهات ونوفيهن بعضًا من حقوقهن؟
ومن هذا المنبر، أوجه رسالة لوالدتي العظيمة:
“كم أنتِ رائعة وفريدة. كنتِ وما زلتِ الداعم الأول لي وللجميع من حولك.
دعواتكِ تحيط بي من كل جانب. رغم قسوة الحياة، ما زلتِ تحتفظين بكل إنسانيتك، مليئة بالرحمة والحب، وإن خانكِ التعبير عنهما.
كنتِ وستظلين أعظم أم في هذا العالم.”
فلنوجّه رسائل احتفاء بالإنجازات غير المرئية، ونشعر ببريقها ونفخر بها، لأنفسنا ولمن حولنا.
متى كانت آخر مرة احتفيتَ بإنجازك الخفي أو بإنجاز شخصٍ صمد رغم كل شيء؟
مقالات سابقة للكاتب