حين يُصلح الاسمُ ما أفسدته العادة

ليس الاسمُ – في عرف العقلاء – زخرفَ لفظٍ يُلقى على المسمّى ، بل هو جرسُ المعنى إذا رنّ ، وإشارةُ المضمون إذا تكلّم. وهو ، في كثير من الأحيان ، أولُ باب تُطلّ منه النفوس على الأشياء ، فإن كان حسنًا هَشَّت له القلوب ، وإن كان قبيحًا نفرَت منه الأرواح ، وإنه ما من شيءٍ أَدلّ على سداد الرأي في ذلك ، من صنيعِ سيّد الخلق صلوات الله وسلامه عليه ، حين غيّر أسماءً لا تليق ، وعدّها من الكدر اللفظي الذي لا يليق بأمةٍ طهّر الله بها الألسنة كما طهّر بها القلوب.

فما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرضى باسمٍ ينضح بالتشاؤم ، أو يوحي بالنقص ، أو يوقظ في السمع ما تنفر منه الفطرة.

وقد ثبتت في ذلك الأخبار ، وجاءت بها الآثار ، حتى كأن تغيير الاسم عنده كان لونًا من إصلاح المعنى ، وإرشادًا إلى أن الألفاظ ليست هواءً يُلفظ ثم يُنسى ، بل هُويةٌ تُخلع على المعنى ، وثوبٌ يلبسه المسمّى ، فإن كان الثوب ممزّقًا ، كانت الهيئة مهينة ، وإن كان كئيبًا ، ألبس المعنى كآبةً لا تليق بمقام الحياة.

ومن هنا ، فإن في أرضنا المباركة – المملكة العربية السعودية – أسماءً لمناطق ومدن ومنشآت ، هي من حيث الطبيعة ، من أبهى ما خلق الله ، ولكنها من حيث التسمية ، مما يدعو إلى التأمل والتساؤل.

فـ”عسير”، وهي من أندى بقاع المملكة هواءً ، وأغناها طبيعةً ، لا تزال تُسمّى بما يدلّ على العُسر ، والعُسر ضدُّ اليُسر ، كأنّ الاسم أُخذ من وعورةٍ لم تبقَ ، أو من مشقةٍ قد ذهبت مع التاريخ!

و”الحريق” ، وهي من أجمل المواطن الزراعية ، ما تزال تُنسب إلى ما يُلهب الفؤاد قبل الأرض ، كأنها لم تُسقَ يومًا بماءٍ ولا حنان!

ثم “الأخدود” ، وهو اسم نادٍ رياضيّ ، لا يُدرى كيف رُفعت به راية الرياضة ، و”الأخدود” في ذاكرة القرآن شقٌّ أُوقدت فيه النار ، وأُلقي فيه المؤمنون ، وسُجّل ذكر فاعليه في القرآن الكريم لعنةً أبدية ، بقوله تعالى:
“قُتل أصحاب الأخدود ، النار ذات الوقود ، إذ هم عليها قعود ، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود”.

فأيُّ مفخرةٍ هذه ، حين تُحمَل معاني الرياضة والنشء والانتماء ، على اسمٍ ارتبط بالهلاك ، ولُعن أصحابُه في الذكر الحكيم؟!

نعم ، لا يخفى ما في الأسماء من حنينٍ إلى الأرض ، وما في التسمية من مفاخرةٍ بتاريخٍ أو حادثة ، ولكن الهُدى فوق الهوى ، والدلالة أغلى من الذكرى ، وإذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “بل أنتم بنو الرشد” بعد أن غيّر اسم “بني مُغوية” ، أفلا يحق لنا أن نغيّر من ألفاظٍ توهم القبح ، لنُلبسها حلل الحُسن والقبول؟!

إننا بهذا لا نعبث بالتراث ، بل ننقّيه. ولا نغيّر الأسماء عبثًا ، بل نهتدي في ذلك بسنةٍ فعلها المعصوم ، وشرّف بها المعنى ، وجمّل بها اللفظ.

فليتنا نُقبل على ذلك بعين البصيرة ، لا بعين العادة ، ونغرس في النشء معاني التفاؤل قبل أن يعتادوا على نغمات التشاؤم ، ويألفوا وقعها من غير شعور.
فالاسم في الظاهر حرف، لكنه في الباطن أثر.

عبدالرحمن الأنصاري

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *