منذ انطلاق الثورات الصناعية، شَهد العالم نهضة كبيرة جعلت الإنسان يخطو خطوات جبارة نحو الفضاء، ويبحث عن الكائنات الأخرى. ولا شك أن الثورة الصناعية ساهمت بشكل واضح في خدمة الإنسان ورفاهيته، وأصبحت الدول اليوم تُقاس بقُدرتها على تسخير التقنيات الحديثة لخدمة شعوبها، حيث تُعد جودة الحياة ورفاهية المجتمعات من أبرز مؤشرات التقدم.
لقد أدّت هذه النهضة إلى بروز تقنيات متقدمة، من أبرزها الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، حتى أصبحت الآلة مستشارًا للإنسان في كل صغيرة وكبيرة. إلا أن هذا الاعتماد المفرط على التقنية قد يكون له وجه آخر سلبي، يتمثل في ضعف مستوى التفكير والمهارات الإدراكية والمنطقية لدى الإنسان.
لقد أصبح الإنسان اليوم أكثر ميلًا إلى الكسل، والاعتماد على التطبيقات الإلكترونية في أداء المهام اليومية والعلمية، وهو ما يتضح بشكل خاص في الميدان التعليمي. فالطلاب باتوا يعتمدون على الذكاء الاصطناعي في إيجاد الحلول، دون أن يبذلوا جهدًا في الفهم والبحث، بل يكتفون بنسخ الإجابة وإرسالها جاهزة إلى المعلم. وعند مناقشتهم، تجدهم يبررون بأنهم “حفظوها من الذكاء الاصطناعي”، ما يكشف عن ضعف في الفهم وتراجع في المهارات.
هذا السلوك يخلق بيئة دراسية تفتقر إلى الجهد الذهني، ويُضعف من تطور الإدراك العقلي والتفكير النقدي وحل المشكلات. إن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي قد يُريح العقل، لكنه في الوقت نفسه يُعطله، ويجعله يميل إلى مناطق الراحة، مما يُهدد بتآكل المهارات العليا في التفكير والتحليل.
لن يتطور الإنسان إلا إذا خرج من دائرة الراحة، وواجه المسائل المعقدة التي تُحفّز التفكير المنطقي. ولكن إذا كان الذكاء الاصطناعي يُقدّم الحلول قبل أن تتحرك الخلايا العصبية في الدماغ، فهل نكون أمام حالة “عرض مؤقت”، أم أننا أمام “مرض مزمن” يهدد مستقبل التفكير البشري.
خالد سعود الحربي
مقالات سابقة للكاتب