ما تزالُ سواري المسجد النبوي تنظر إلينا، كما كنا ننظر إليها، ولكن بشيء من الحنين الذي لا تترجمه الكلمات، ولا تفي به الدمعة، ولا يبرد له الجَوف.
كنتُ أدخل مع الشيخ عبد الحميد عباس ـ رحمه الله ـ فنمشي في أفياء المسجد النبوي، لا نمرّ بساريةٍ إلا وقد أوقفته الذكرى، ولا نجلس إلى ركنٍ إلا وقد أحدق به طيف من الماضي.
كان يتمهّل، ويشير إليّ كمن يخاطب قلبًا لا أذنًا، ثم يقول:
«يا عبد الرحمن… هذه السارية، كان تحتها مجلسُ الشيخ فلان، وتلك للعلامة فلان، وتلك… وتلك… كنتُ أدرك زمانًا، كانت فيه كل سارية تُنبت علماً، وكل ركنٍ يُثمر فقهًا، وكلّ أذنٍ تسمع وكأنها تحفظ، وكلّ طالبٍ ينهل وكأنما يُسقى من يد النبوة ذاتها».
وكان يقولها بحرقةٍ لا يطفئها إلا الوفاء، وحسرةٍ لا يشفيها إلا أن يعود الزمان على عقبه.
وكان في قلبه أنينٌ لا يسمعه إلا من عاش العلمَ في رونقه، وجلس إلى أهله في عهده، وكان في عينه دمعةٌ لا تذرفها إلا عيون العارفين.
ومع ذلك، لم يكن الحنين عنده مرثيةً ولا تأوّهًا، بل كان حياةً ثانية لأولئك الرجال الذين كانوا في حضرة النور، يُعلّمون، ويُقرّبون، ويهتدون ويُهدون.
كنتُ أراه يتحدث عنهم لا كما يُتحدث عن أهل الفضل، بل كما يُتحدث عن الرُسل، وكأنهم من قومٍ قد اختصهم الله، ثم طوى بسيرتهم صفحة من الصفحات التي لا تتكرر إلا إذا بُعث الأولون من مراقدهم.
ومع أننا وقتها، كنا في زمن حافل بفضلاء كان منهم: عبد العزيز بن باز، ومحمد الأمين الشنقيطي، ومحمد المختار مزيد الجكني، وحماد الأنصاري، وعبد المحسن البدر العباد، ومحمد عمر فلاتة، ومحمد ناصر الدين الألباني، وأبو بكر الجزائري، ومنتصر الكتاني، وعبد القادر شيبة الحمد، وعطية سالم، ومحمد يوسف الهندي السلفي، وعلي السناني… وغيرهم من الذين لا تعرفهم الأرض إلا بقدر ما افتقدتهم.
ومع وجود أولئك الأجلاء يومئذ، فإن حسرات الشيخ عبدالحميد عباس، على أسلافهم، الذين كانوا يعمرون ساحات المسجد النبوي بعلمهم، لا حدود لها..!
واليوم… أمشي وحدي بين تلك السواري، وأتلمس فيها أثر الخطى، ودفء الأنفاس، فلا أجد إلا الصمت، وبعض بقايا الدعاء.
فأشعر أن الزمان قد تغيّر قليلاً ، وأن النور وإن بقي، فقد خفت صوته، وأن الروح وإن وُجدت، فقد قلّ من يُحسن الإصغاء لها.
ولستُ أقول ما أقول رثاءً، بل حنينًا إلى عِمامةٍ كانت تُعانق النور، وإلى ساريةٍ كانت تُظلّ العلم، وإلى مسجدٍ كانت فيه القلوب تسبق الأقدام، والعقول تُصلي قبل الجباه.
عبد الرحمن الأنصاري
مقالات سابقة للكاتب