بعد عقدين من الزمان من تأدية فريضة الحج للمرّة الأولى، شاء المنعم أن أكون وأسرتي ضمن وفود الرحمن لعام ١٤٤٦ للهجرة..
أتيت بقلبي مقبلة ينتابني شوق وحنين، يمازجهما شعور الرهبة.. زحام، وهاجرة، ومسافات طويلة، وسير على الأقدام للوصول إلى محطة القطار.
كنتُ أرسم تفاصيل المشقة، وأنتظرها وقد أوجستُ خيفة!
لكنّي وجدتُ اللوحة بيضاء مشرقة زاهية، كلّ ما فيها ينبض بالتعاون والإخاء، واليسر والعطاء.
في المخيم عاملات يخدمننا بحب كل ساعة ودقيقة.
ورفيقات الرحلة اللاتي قاربن الألف، يتسابقن لإبداء التحية، والابتسام، وتبادل كلمات الود.
وأقبل عرفات وما أدراك ما عرفات؟
أيدٍ مرتفعة، وتمتمات بالدعاء، ودموع تترقرق، الكلّ مشغول بحديث ربّاني طويل.. كنّا نستشعر أنّنا ضيوفك!
نعم (ضيوف الرحمن)، ليست عبارة عابرة.. المضيف صاحب الملكوت، ونحن قطعنا المسافات نردّد: (لبيك اللهمّ لبيك)، وكنّا على يقين أنّ ضيافتك يا كريم: غفران وعفو ورضوان!
وما نبغي أكثر من ذلك؟!
خرجنا من عرفات، وقلوبنا في عرفات، وأرواحنا غارقة بشعور روحاني ممتد. كل رجائي أن تكون كلّ أيّامي بذلك الشعور.
ثمّ أشرق صباح العيد، كان العيد عيد القلب.. وعيد الروح.. وأعظم لوحة في الرحلة سير أقدامي لرمي جمرة العقبة.. كانت لوحة رسمتها بدموع الفرح والحب لوطني العظيم وقادته العظماء..
أمضيت رحلة السير إلى الجمرة الكبرى أبتهل إلى الله بأن يحفظ خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين، وحماة هذا الوطن من الأمن، ورجال الدولة الساهرين على خدمة بيت الله.
كانت الأفواج تسير بلا تدافع، ولا تزاحم.. تسير بتناغم، والآذان مصغية لأجمل عبارة: (لبيك اللهم لبيك)، الأرواح تسير قبل الأجساد..
تتأمّل حولك فترى رجال الأمن والفرق التطوعية يمطرونك برذاذ الماء البارد، فتسقط القطرات على الأرواح بردًا وسلامًا.. سرتُ، ورميتُ، واستكملتُ طريقي، وبصري معلق بالسماء، بتلك الطائرات المروحية التي تراقبنا بحب، وترسل لنا رسالة سيدي خادم الحرمين: (أنتم في أمن وأمان)، وأذني ترهف السمع لعبارة واحدة أسمعها كل دقيقة في مكبرات الصوت، وفي محطة القطار، يردّدها رجال الأمن: (تقبّل الله يا حاج!)
أعظم أحلامي أن أكرّر هذه الرحلة كلّ عام،،
وما ذلك على الله بعزيز!
مقالات سابقة للكاتب