في زوايا القاعات، لا تُروى فقط الدروس النظرية، بل تنسج الحكايات العميقة…
في اليوم الأول من دورة “المالية لغير الماليين”، لم يكن أكثر ما علِق في ذهني هو الفرق بين الميزانية العمومية وقائمة التدفقات، بل كان مشهدًا إنسانيًا بسيطًا، لكنه علّمني الكثير.
كانت تجلس بالقرب منا زميلة كبيرة في السن، ملامحها يملؤها الوقار، لكنها بدت ضعيفة البصر تكاد لا ترى، وصوتها خافت أثقلته الظروف.
كنت أراها تُصغي بشدة، تحاول التقاط ما يُقال، تقترب قليلًا ثم تبتعد، وكأنها تُجاهد لتلحق بكل ما يُشرح.
مرت بنا خلال الاستراحة، تحمل كيسًا صغيرًا فيه حلوى وشوكولاتة، ومدّت يدها إلى كل الحاضرات بابتسامة خجولة، تهدي قطعة وتقول: “خذي لكِ”، لكن أغلب من حولها رفضوا بلطف أو تجاهلوا، بحجة “ما أحب شوكلت” أو “توّي ماكله”، وكأنها لا تُقدم حلاوة بل تُثقّل عليهم.
عندما وصلتني، خذيت منها قطعة، ولم أتناولها لاحقًا، لكنني خذيتها لأجبر خاطرها. وكان ذلك كافيًا… بالنسبة لي ولها.
في فترة الاستراحة، وقع الموقف الذي لن أنساه:
اقتربت منا تلك الزميلة، بهدوء وملامحها يملؤها الرجاء، وقالت بلطف:
“ممكن أصور الملخص اللي كتبتوه؟ ما قدرت أكتب زين.”
كانت كلماتها بسيطة، لكنها محمّلة بثقل الحاجة وصدق الشعور”.
الردود تباينت:
“ما كتبت شي مهم”،
“الكلام كله بالحقيبة”،
“ما لحقت أدوّن”.
كان بإمكاني التزام الصمت، لكن شيئًا داخلي دفعني لأقول:
“أنا كتبت، خذي دفتري”.
رجعت لدفتري، ورغم أنني كنت أكتب رؤوس أقلام فقط، جلست سريعًا أسترجع كل ما شرحه المدرب، وكتبت من ذاكرتي نقاطًا تُفيدها، ثم ناولتها الورقة لتصورها.
لكن المفاجأة لم تكن في الورقة.
بل في رد فعلها…
اقتربت، أمسكَت يدي بكل امتنان، ومسحت عليها وقالت بصوت مرتعش:
“جعل هاليد ما تمسها النار”
تلك الدعوة كانت من أصدق ما سُمِع، لدرجة كأنها اخترقت قلبي مباشرة، صنعت يومي، وغيّرت شيئًا في داخلي.
لكن شعور الحزن لم يُغادرني.
حزنت على نظرات الاستعلاء، على التردد في العطاء، على الاستكثار من مشاركة ورقة!
حزنت أكثر لأن مَن تحتاج المساعدة تُضطر لأن “تطلبها”، رغم أن من حولها يرون حاجتها بوضوح.
وسألت نفسي:
لماذا أصبحنا نتجنب أن نُعطي، بينما لا نتردد في رفض البذل؟
لماذا لا تُوفَّر لذوي الظروف الخاصة رعاية أو دعم إضافي في مثل هذه الدورات؟
ولماذا نُحسن التحجج أكثر من إحسان العطاء؟
في هذا اليوم، لم أتعلم فقط مبادئ مالية، بل تعلّمت أن جبر الخواطر لا يحتاج إلى ميزانية.
أن أعظم ما قد نملكه في القاعة ليس “الشرح” ولا “الحقائب التدريبية”، بل “القلوب المفتوحة”.
هي من بدأت بالعطاء، وكنتُ أظن أني جبرتها… لكن الحقيقة أنها هي من جبرتني.
✍🏻 نوال الشمراني
مقالات سابقة للكاتب