القيادة والثقافة التنظيمية

ظهر مفهوم الثقافة التنظيمية في الثمانينيات من القرن الماضي؛ حيث بات لكل منظمة طبيعتها الثقافية الفريدة التي تميزها عن غيرها من المنظمات. وتتكون هذه الثقافة من مجموعة من القيم والعادات والاتجاهات التي تنشأ نتيجة تفاعل الأفراد والعاملين داخل المنظمة التي ينتمون إليها؛ إذ تتأثر بها البيئة الخارجية للمنظمة، وتساهم في تمييزها عن نظيراتها.

فالثقافة التنظيمية تعكس ما يؤمن به الأفراد في منظمة معينة من قيم، وما يؤثر على سلوكهم وقيمهم الإنسانية داخل المنظمة نفسها، وتظهر هذه القيم بشكل ملموس في التزام الأفراد بالجودة والمعايير المرتبطة بالعمل. 

وتأتي أهمية الثقافة التنظيمية في تحديد أنماط السلوك والعلاقات الواجب اتباعها داخل المنظمة، سواء من قبل العاملين أو من قبل قياداتها. وتساهم هذه الثقافة في تعزيز قدرة المنظمة على التغيير والتطوير المستمر؛ للتكيف مع التحولات الحديثة في بيئة الأعمال. كما تحدد توقعات السلوك التنظيمي للأفراد طبيعة علاقاتهم مع بعضهم ومع العملاء، وطريقة اللباس واللغة المستخدمة داخل المنظمة. 

فضلًا عن ذلك، تسهم الثقافة التنظيمية في تحقيق استقرار المنظمة، ورفع كفاءة الإدارة لتحقيق الطموحات والأهداف التي تسعى إليها، علاوةً على دعمها للابتكار، ومساعدتها على الحد من الروتين عبر توجيه العاملين وتنظيم أعمالهم وعلاقاتهم. كما تعمل أيضًا على جذب الكفاءات الطموحة والمبدعة؛ مما يساهم في تطوير الأداء، ورفع جودة العمليات، ويؤول ذلك كله إلى تحقيق أهداف المنظمة بأفضل الوسائل المتاحة وأيسرها من خلال تسهيل المهام الإدارية، وتقليل الحاجة إلى الإجراءات الرسمية، فتعزز هذه الثقافة تبني السلوكيات المطلوب تنفيذها داخل بيئة العمل. 

وعادةً ما تكون الثقافة التنظيمية انعكاسًا لأهداف المؤسسة وطموحاتها؛ فإذا كانت المنظمة تسعى لتحسين جودة الخدمات المقدمة، فستعمل على غرس قيم ترتبط بالجودة وأدواتها، ونشر تلك الثقافة بين أفرادها.

ويلعب الأفراد داخل المنظمة دورًا كبيرًا في ترسيخ تلك الثقافة؛ حيث لا يمكن فرض ثقافة لا يؤمنون بها. وبالمثل، لا يمكن للعاملين أن يفضلوا ثقافة تنظيمية مخالفة لتوجهات إدارة المنظمة.  إن التوازن بين رؤية الإدارة وقناعات الأفراد يشكل العنصر الأساسي لنشأة ثقافة تنظيمية فعالة ومستدامة.

ومن هذا المنطلق، فإن للقائد دورًا مهمًا وفعالًا في نشر الثقافة التنظيمية للمنظمة بين العاملين وتعزيزها؛ حتى تكون هي القاسم المشترك بينهم، من خلال التأكيد على تلك المفاهيم في الوسط الثقافي للمنظمة، والتأكيد أيضًا على المبادرات والاستراتيجيات التي تعزز ذلك؛ لما لذلك من دور بارز في تميز المنظمة وتحقيق معايير الجودة والتميز المؤسسي.

إن القائد المتميز هو الذي يعي دوره في تحقيق تلك الثقافة من خلال أدوات القيادة، وتعزيز مفاهيم التعاون والإنجاز والعدالة والقدوة بين العاملين في المنظمة، ونشر هذه الثقافة كممارسة وسلوك؛ بحيث تكون هي القاسم المشترك بينهم؛ مما يعزز التميز، ويخلق بيئة تنظيمية فاعلة تعزز العمليات والتعاون والإبداع، وتنعكس إيجابًا من خلال سلوك وقيم واتجاهات العاملين في المنظمة.

   إن القيادة الفاعلة هي التي تسهم في تعزيز العمليات والتأثير الإيجابي بين العاملين؛ لتحقيق الأهداف المشتركة التي جرى صياغتها بأعلى درجات التميز والتعاون والإنجاز، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال قائد يعزز مفاهيم الجودة والتميز والعدالة بين العامين من خلال بيئة متفاعلة  تحقق أعلى درجات الإنجاز التي تعززها الثقافة التنظيمية.

أ.د. محمد حارب الشريف الدلبحي

عضو هيئة التدريس بجامعة شقراء

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *