الغيبة.. فاكهة المجالس!

في زمن باتت فيه المجالس مزدحمة بالكلام، أصبحت الغيبة – مع الأسف – الرفيق الدائم للأحاديث، وكأنها زينة المجالس ومتعة السامرين. لا تكاد تجلس في لقاء أو مقهى أو مجلس عائلي، إلا وتجد الحديث قد انزلق إلى ذكر الناس والتعرض لخصوصياتهم، دون إذن أو اعتبار، وكأن أعراضهم أصبحت مباحة للنقاش والتقييم.

إن الغيبة ليست مجرد حديث عابر، بل هي خُلق مذموم ونهج مرفوض، ذمّه الله في كتابه الكريم وشبّهه بأبشع صورة: “أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه”. إنها ليست فقط معصية تهدم الحسنات، بل جريمة أخلاقية تهدم جسور الثقة بين الناس، وتنشر البغضاء، وتغرس السلبية في القلوب.

المؤلم أن كثيرًا من الناس يمارسون هذا السلوك وهم لا يشعرون، فيغلفونه بـ”الفضفضة” أو “الصدق” أو حتى “النصح”، متناسين أن الغيبة لا يُبررها ادعاء النية الطيبة إذا غابت عنها العدالة والرحمة.

من الواجب علينا اليوم – أكثر من أي وقت مضى – أن نكون حراسًا على ألسنتنا، وأن نحرس مجالسنا من الانزلاق في مهاوي الغيبة والهمز واللمز، وأن نتعلم فن تحويل دفة الحديث بلطف وذكاء إلى مواضيع تبني لا تهدم: كقضية اجتماعية، أو قصة مُلهمة، أو حديث عن تجربة نافعة، أو حتى مدح من يستحق الثناء.

إننا بحاجة إلى أن نُعيد لمجالسنا قيمتها، ولأحاديثنا وقارها، ولألسنتنا طُهرها.

فلنجعل من مجالسنا منابر للخير، ومواسم للذكر الطيب، ولتكن ألسنتنا وسيلة بناء لا أداة هدم.

خالد سعود الحربي

 

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *