🖋️ عرفتُ عمر الأنصاري، فما عرفته إلا كما تُعرف الشموس في مطالعها، أو كما يُعرف السيف إذا لمع، أو كما يُعرف الفجر حين ينجلي.
عرفته شابًّا، في أول الطريق، والقلم في يده لم يجفّ مداده بعد، لكنه كان من أولئك الذين وُلدوا وفي جبينهم مسحة من نور، وعلى ملامحهم أثر نبوءة: أن سيكون لهذا الصغير شأن في دنيا الكلمة، وشأو في ميدان الصحافة والفكر.
ومنذ أن زاملته في بداياته، رأيت فيه صدق النية، وحرارة الشغف، ونُبل الغاية، فإذا هو يخطو في ميدان الصحافة كما يمشي الفارس إلى قلب المعركة: لا يلتفت، ولا يتردد، ولا يطلب إلا النصر أو السداد.
غير أن الصحافة – على اتساعها – لم تكفه، ولم توفه شوقه إلى الخلق الفني والإبداع الروائي، فامتدت يداه إلى الرواية، وامتد قلمه معها، فخرج منها كما يخرج البحر من ضيق المجرى إلى سعة المحيط.
ولعلك إذا قرأت “ملك المور”، أو جُلتَ في أروقة “طبيب تنبكتو”، أو نزلت في ربوع “حرز تالا”، أيقنت أن وراء هذه النصوص عينًا ترى، وروحًا تتوهج، ولغةً تنساب كما ينساب الضوء في شقوق الجدران القديمة.
أما سر هذا التألق، وتلك النضارة في العبارة، والدفء في الأسلوب، فإنه سرٌّ متوارث، يرشح من دم الأنصار، أحفاد أولئك الذين نصروا الله ورسوله ﷺ، فحملوا من بعده إرثًا لم تنطفئ جذوته: إرث الدين، والعلم، والبيان.
ولئن تفرّق أبناؤهم في الأرض منذ عهد الفتوحات، فإنهم لم يتفرقوا عن ميراثهم الروحي، فكان كل ناشئ فيهم يُنشّأ على القرآن وعلومه، وعلى السنة ووهجها، وعلى لغة العرب حين كانت لا تزال سيدة المعاني وملكة العواطف.
ولذلك حين تمسك أحدهم بالقلم، لم يكن غريبًا أن ترى فيه الصحفي الموهوب، والأديب الأريب، والروائي المبدع، والمتحدث اللبق، والمثقف الموسوعي، كما رأينا ذلك في عمر.
ومع أن الصحافة – دون غيرها – هي التي تفتح له أبواب الرزق، وتسند معيشته، فإنها ليست إلا مظهرًا من مظاهر عبقريته، التي لا تُحبس في قالب، ولا تُختصر في عنوان.
ولعمري، إن كان من صعوبة في تصنيفه، فذلك لأنه لا يُصنَّف، بل يُعرَف، كما تُعرف النجوم بعالي السماء، لا تُقاس، ولا تُحدّ، بل تُشار إليها ويُهتدى بها.
✍️ عبد الرحمن الأنصاري
مقالات سابقة للكاتب