لطالما تهافت الوَرَثة لتقسيم الترِكة وأن يحصل كل أحد على حقه من الإرث المُتبقي لهم، وهذا طبيعة الكون والبشر.. لكن هناك إرثٌ خفي يُورَث ويوُزَع دون أن يعلم الورثَة بوجودها، وكل فرد له نصيبه بذلك، حتى لو أدرك وجودها ورفض الحصول على حصته لا يمكنه التنازل عنها.
هذا الإرث المسموم لا يُوزَع بالتساوي هناك من يرث الكثير وهناك من يرث القليل وكلاهما مغلوبٌ على أمره، هُناك من يُورِّث ابناءه وبناته من بعده مالًا، اسمًا مرموقًا، مكانة اجتماعية ، علمًا نافعًا نتيجة تربية صالحة أو إخوة متحابون.
لكن البعض الآخر قد يُورِث السُم بأشكال مختلفة حتى لا يُفرقوا بين الحياة السوية وبين الحياة المعطوبة التي ورثوها، عادةً الشخص النرجسي له القدرة على ترك حصة كبيرة للجميع، بالطبع النصيب الأكبر يكون للوريث الذهبي المُفضل عند النرجسي الذي يُفضله دائمًا على جميع إخوته ويعطيه الكثير من المزايا حتى يشعر البقية بأن هذا هو الابن الوحيد للنرجسي وبأن البقية لا مكان لهم في حياة النرجسي، وعادةً ما يمتاز هذا الابن أو الابنة بأنه الوارث الأكبر من الصفات السيئة ويكون نسخة مُشوَهة من النرجسي وهذا ورثه الذي لا يعترف بأنه حصل عليه ولا يُدرك وجوده بل يرى نفسه الابن البار والمفضل والمحبوب ولا يشعر بأنه مسكين تم تشويهه عميقًا؛ وهذا قد يكمل المسيرة برحلة الطغيان لمن تحت سلطته ويعيد التاريخ نفسه.
أما بقية الورثة الذين تتشكل لديهم نوع بسيط من الوعي يرثوا الكثير من الصفات التي تتميز بسميتُها العالية والتي قد يغيروا مسمياتها حتى لا يؤنبهم ضميرهم هؤلاء يتأرجحوا بين التعافي من التسمم وبين الاستسلام وعدم المحاولة، أما الوارث الأخير فهو الوريث الأقل حصة من كل شيء لكنه الأكثر بؤسًا ومعاناةً فهذا الوريث الذي أصابته لعنة الوعي؛ هذا الذي علم أكثر من اللازم وتورّط بوعيه وشعر أن عليه معالجة نفسه من أثار السُم المنتشر في كل مكان كما أنه أخذ على عاتقه أن يعالج البقية الذين حصلوا على حصص أكبر من هذا السم؛ فتورط بمسؤوليات تفوق طوله، وأصبح الفرد المنبوذ الذي يُحاول إطعامهم الدواء المُر على أمل شفاءهم، ويحارب معتقداتهم ولا يخضع لها؛ وبذلك أصبح الفرد الأكثر وحدةً رغم كل ما يحاول تقديمه لأجل الجميع إلا أنه الفرد الغير محبوب المُمتلئ بكل معاناته ومعاناتهم مع الكثير من المسؤوليات وتأنيب الضمير.
عزيزي القارئ ربما تجد نفسك أحد هؤلاء الورثة أو ربما تعرف شخصًا ورِث عن عائلته كل ما هو سيء، وربما تتساءل هل هذه النهاية !! وهكذا تنتهي الحياة ؟ بالطبع لا؛ دائمًا هناك خيار آخر وطريقة لجعل الحياة أجمل وأقل سوداوية؛ ألا وهو التعافي من عُقد النشأة وليس الهروب منها؛ حتى نستطيع أن نجعل الحياة ممكنة العيش لنا ولمن سيأتي بعدنا، أن نتخلص من إرثنا المسموم وأن نأخذ عهدًا على عاتِقِنا بأننا لا نُورِث هذه السُميّة.
حتى الذين ورثوا كل ما هو سيء لا عُذَرَ لهم { إنا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورأ}
مقالات سابقة للكاتب