حين رحلوا

«…وعندما نقر بأن الموت يصيب الجميع، سندرك حقيقة أننا وجدنا في نفس المركب معًا، وسوف يساعدنا هذا على أن نعامل بعضنا البعض، على نحو أكثر لطفًا ومودة».

*📖 الدعوات الخمس.. فرانك أوستاسيسكي

رحل عني الكثير، فلم أسأل لماذا؟ فرحيل الموت قدر المخلوقات، نهاية حياة كتب لنا العيش فيها ولم يكن اختيارًا لنا.

وكان السؤال: ماذا بقي منهم…؟ ما الأشياء التي أحبوها؟

أول الفقد كان عمي؛ رحل ولم يعقب بنتًا ولا ولدًا؛ لكنه ترك حبًّا في قلبي.. حنانه يطفو على كل حنان باستثناء أمي.

والموت تمتد يده للمقربين مني وتخطف أصفياءهم، كما فعل بزوج صديقتي وطفلها، فرأيت دموعها تغسل ثيابهما، ورأيتها بعد حين؛ غابت لمعة عينيها في غياهب الحزن.

وما زلت أبحث: ماذا يبقى من أولئك الراحلين؟ هل يُعقل أن تكون تلك الثياب والممتلكات هي فقط ما يبقى… وبعض الذكريات عنهم؛ والسؤال هنا: ماذا نفعل بتلك الذكريات بدونهم؟!

حين مرض أبي أخبرني بذلك الحزن الذي ملأه؛ ولكن حزنه بسبب الخوف علي، لكنه لم يخبرني أيضًا… لماذا يخاف ومن ماذا؟! لكن بقي شعور داخلي يقول: «أبي يحبني بكل هذا العمق».

تموت صديقتي ميرفت، وتدفن معها أسرار صبانا؛ وتلك الضحكة التي كنا نطلقها كلما رأينا أكواب المثلجات، نتذكر انسكابها على أحذيتنا، تركنا تلك البقعة البيضاء ولم ننظفها حتى نهاية العام الدراسي، بل واحتفظنا بالحذاء بعدما بلي.. «تركت الحذاء ببقعة المثلجات البيضاء؛ ذكرى لذلك اليوم اللطيف».

ثم رحلت أمي؛ فكان الحزن صاخبًا؛ ولم أسمع شيئًا سوى همسة تلك الصديقة «الآن بر أمك بالدعاء لها، وبفعل كل شيء كانت تحبه».

سألت: ماذا تحب أمي…؟! أعرف أنها تحب اللون الأزرق؛ فأحببته مثلها.

كانت تحبنا نحن؛ فقط تحبنا.

ثم رحل أخي… وأعرف أنه يحب القراءة وعلمني حبها.

هذا ما أعرفه عن الأشياء التي أحبوها، فماذا بقي من أمي وأخي؟!

بقي اللطف في صوت أمي؛ حتى تلك النبرة الحازمة وهي توجهني.

اللطف في نظرة أخي حين يرسل طرفه نحوي، وحين يمرر لي مقالا أو رواية ثم يسألني عن رأيي، والحقيقة هو يريد رؤية عقلي كيف يفكر.

 وبقي حب لهما ومودة تسترسل معها الذكريات وتتداعى كل يوم.

ومضة:

كتبت في مكان ما، وفي سطر ما، ماذا أحب…

فلا أريد لهذا السؤال أن يبقى بلا إجابة، في خاطر أبنائي ومن أحب.

أمل عطية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *