الشيخ الشاب.. ومهابة العلم في ميعة الصِّبا

ليس هذا الحديث وليد ساعة عابرة من خواطر الإعجاب، ولا بوح وجدانٍ نزقٍ يلهو بالأسماء، بل هو حديثٌ جُررنا إليه جرًّا، حين أبى صاحبه إلا أن يُكرهنا على القول فيه بإكراه الفضل، لا بإكراه اللسان.

فبعض الرجال حديثٌ لا يُختار، إنما يُفرض على القلب فرضًا، لأن حياتهم في ذاتها قصيدةٌ مكتملة المعاني، لا تحتاج إلى شاعرٍ لينظمها، بل إلى شاهدٍ ليُعلنها.

عرفتُه فتىً نديَّ العود، غضَّ الإهاب، يوم كان أقرانه يتخطفهم لهوُ الشباب، ويجريهم تيار الصبوة في مضمارٍ لا يُعرف له ساحل.

أما هو، فكان قلبه معلّقًا بالمساجد، يأنس بظلالها كما يأنس العابدُ بخلوته، وتراه إن غِبتَ عنه، فلا تطلبه إلا بين حِلَق العلم أو في رحاب ذكرٍ تُصافح فيه أرواحُ الملائكة رُكَبَ المتحلّقين حول الكتاب والسنة.

إنه أبو البراء محمد بن عبدالسلام الأنصاري الخزرجي؛ ذاك الفتى الذي لبس رداء “الشيخ” قبل أن يشيب له عارض، واعتلى المنبر قبل أن تعتليه الحياة بطموح الكهولة.

طلب العلم صغيرًا فحمل همَّه كبيرًا، وجمع من أمهات الكتب ما ينوء به الرجال إذا ناءت بهم العزائم. أمَّ المصلين فخشعت القلوب قبل الأجساد، وخطب الناس فأنصتوا كما يُنصت الحبيبُ إلى وعد اللقاء.

أما خُلقه، فهو كما يُروى في سِيَر الكرام: سكينةٌ تسبق السلام، وبشاشةٌ تُغنيك عن التحية، وأدبٌ يُجلّ الصغير ويُكرم الكبير.

يستمع إليك بإنصاتٍ يُشعرك أنك وحدك المتكلم في الوجود، ويُحدّثك بميزان من الحكمة لا يُغادر حرفًا إلا وضعه في موضعه.

وفي مجلسه كرمٌ لا يَخلو من ضيفٍ، ولا ينقطع فيه الدعاء عن غائبٍ أو حاضر.

ذلكم هو أبو البراء: من جمع الله له القَبول في الأرض كما جمع له نور الطاعة في الوجه.
فما لقيتُ أحدًا عرفه إلا وجدته على كلمةٍ سواءٍ فيه: أنه الرضيّ المرضيّ، الحبيبُ المقبولُ لدى الخاص والعام، كأنما أودع الله في اسمه بركة السلف، وفي خُلُقه نَفَسَ الأنصار الأوائل رضي الله عنهم وأرضاهم .

عبدالرحمن الأنصاري
( أبو ياسر )

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *