الجدل العقيم ( المِراء)

يقول النبي ﷺ( أنا زعيمٌ ببيتٍ في رَبَضِ الجنَّةِ لمَن تَرَكَ المِراءَ وإن كان مُحِقًّا، وببيتِ في وسطِ الجنَّةِ لمَن تركَ الكذبَ وإن كان مازحًا، وببيتٍ في أعلى الجنَّةِ لمَن حَسُنَ خُلُقُه.)

ألستم معي أيها السادة أن هذا الحديث الشريف وما جاء فيه من الأمور الثلاثة التي يجازي الله من تركها أن له بيت في الجنة ووسطها وأعلاها أنها مرتبطة ببعضها ارتباطاً وثيقاً وان جاز لنا أن نجزئها، إذن لماذا يدخل المرء في جدال لا طائل منه سوى جلب العداوات والبغضاء والتقليل من قيمة النفس ومن العلوم أن الجدال لم يطل ويمتد إلا وبدأ الخلاف بين المتجادلين وبالذات إذا كان الجدال في أمور تافهة لا تفيد الإنسان في دنياه وآخرته بشئ ، وإذا عدنا إلى الحديث السابق فسوف نستخلص منه أنه إذا احتدم الجدال دخل المتجادلون في الكذب والإفتراء واستنقاص من بعضهم فهذا من سوء الخلق لذلك قلنا إن الأمور الثلاثة الجدال… والكذب… وسوء الخلق تخرج من جحر مظلم واحد، وكم من الأمور التي تضيق الصدر وتصيب الإنسان بالغثيان مما نراه يومياً ونسمعه والتطاول البغيض الذي يحدث في هذا الأمر فما طال الجدال إلا كان هناك مدخلاً للشيطان لتأجيج نار الخلاف ومن ثم زرع العداوة والبغضاء وقد يصل الأمر إلى شتم الآباء والأمهات والخوض في الأعراض والأمر الخطير في الجدال الحاصل بين الناس في قنوات التواصل أن المتجادلين لا يرون بعضهم بعضاً ولا يعرف الإنسان مع من يتكلم ومن يجادل فقد يكون الطرف الآخر من السفهاء الذين لا يراعون حرمة ولا يعرفون للأخلاق سبيلاً ، وقد يكون عدواً متربصاً يريد حلحلة عرى المجتمع بعدما أعياه تماسكه وإجتماعة فعلينا أن نضع هذا الأمر فط الحسبان، وجولة بسيطة في السوشل ميديا تبين صدق ما نقول، والأمر الأكبر هو إذا بلغ المتجادلون من العمر والمكانة الإجتماعية هذا من المفترص أن يدفعهم الى الترفع عن سفاسف الأمور والتقدم في العمر وضعف الإنسان ربما يدخله في حالة مرضية هو في غنىً عنها ويجب على المرء إذا بلغ هذا المبلغ من العمر أن يحافظ على صحته ويحرص على كسب وزيادة الحسنات بدلاً من إهدارها فيما لا طائل منه فنفسك لن تجد نفساً سواها فما الداعي لإهانتها، وأنا أرى وبرأي القاصر أن الذين ينتحون هذا المنحى من الجدل إنما هو حب زيادة المشاهدات والمتابعين وزيادة الإعجابات وحب الظهور، (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ).

والجدل العقيم مهما كانت نتائجه فليس هناك منتصر مثله كمثل الحرب لا منتصر فيها بصورة كاملة فالكل خاسر وإن كان هناك فارق بسيط بين المتحاربين ففي الحرب لا يمكن أن يكون أحد الطرفين منتصراً 100٪ 100 ابداً لابد من خسائر، فالقضية برمتها من ناحية الجدال العقيم لا تعدو فرد العضلات والتباهي وحب العلو والظهور الفارغ الذي لا يجدي نفعاً وكيف ينام المرء بعد هذا الجدال وهو مطمئن البال فربما خاض في أمور محرمة في وسط الجدال العنيف فالكلام الكثير والثرثرة الزائدة وحضور إبليس اللعين لكي يشجع الفريقين يفاقم الأمر وقد تصل الأمور إلى ما لا يحمد عقباه فالغصب أكبر مدخل للشيطان ليوقع العداوة بين الناس فهذا ديدن إبليس وهذه هي أرضه الخصبة التي ينثر فيها بذور الحقد والكراهية والخلاف بين الناس فهل نسينا وعده عندما طرد من السماء ألم يبين لنا الله أنه أقسم ليغوين عباد الله أجمعين إلا المخلَصين من عباده ألم يقل الله لنا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) فعلى المرء أن يكون كيس فطن وذا حكمة يزن الأمور بميزان العقل، وفي النهاية هي دنيا غرورة ومتاع زائل….

( وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) ألا يكفينا هذا الكلام لكي نرعوي ونعود ونستعيذ بالله من إبليس وكم نصح العقلاء وقالوا ولكن ليست هناك آذانٌ صاغيةٌ وقلوبٌ واعية فذهب نصحهم كصرخة في وادي سحيق وضاع جهدهم سدى فنسأل الله أن يبصرنا بعيوبنا وأن ينور بصائرنا.

إبراهيم يحيى ابو ليلى

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *