ذاكرتي الأدبية

في عالم تزدحم فيه الكلمات، يحضر كتاب الدكتور ناصر البكر «ذاكرتي الأدبية» ليحلق في عالم الكلمة، وينثر إبداعات ذاكرته القرائية والكتابية، مشكلا رحلة صادقة في ذاكرة الكاتب، ونافذة مشرعة على تجربته مع القراءة والكتابة، تتجاوز السير التقليدية إلى سرد اعتمالات الفكر والروح معا.

يبدأ الكتاب بسطر واحد يعلن فيه الكاتب عن رؤيته الأدبية: «اللغة وطن»، سطر يحمل عمق العلاقة بين الكاتب والكلمة، ويجسد اهتمامه بها كفضاء للهوية والتجربة، وبوابة لفهم العالم الداخلي والخارجي معا.

صُنّف كتاب «ذاكرتي الأدبية» في قائمة السير، إلا أن الدكتور محمد صالح الشنطي يرى أنه يتجاوز كل التقاليد المألوفة في كتابة السير، إذ يمزج بين التأمل الشخصي والتجربة الأدبية، بين المعلومة والحنين، بين القراءة والتفكير العميق، في ثراء نادر يجعل القارئ شريكا في الرحلة الفكرية والوجدانية للمؤلف.

عندما أنهيت قراءة الكتاب للمرة الأولى، قلت في تغريدة لي على تويتر (X): «أنا قارئة عادية، أسعى إلى الكتاب والكاتب الذي يحترم عقلي ووقتي»، لقد وجدت في هذا الكتاب ما يشحذ الفكر ويوقظ القريحة، غصت مع سطور الدكتور ناصر في دهاليز القراءة والكتابة، حيث الأشعار، والكتب، والتجارب الفكرية، والكلمات التي تحرك الروح قبل العقل، إنه كتاب يُشعر القارئ بأن كل سطر فيه هو نتاج تجربة عميقة تزاوج بين الكلمة والفكرة.

أحيانا، يشعر الإنسان الذي يغرد في عالم القراءة والكتابة أنه في منعطف انغلاق ذهني، ويحتاج إلى مفاتيح ومخارج تجدد الطاقة وتنشط الذهن وتطلق القلم، فتأتي الكتب لتقدم هذه المخارج وتجدد الشغف بالكلمة واللغة، وأرى -ومن واقع تجربة شخصية عميقة- أن من هذه الكتب «ذاكرتي الأدبية» وما غاص فيه من أمهات الكتب.

إن ما يميز هذا الكتاب حقا هو توازنه بين الإبداع الشخصي والمرجعيات الأدبية: من الشعر الجاهلي إلى الأدب الحديث، من المجالس الأدبية إلى التجارب اليومية، ومن مواقف الحياة الفكرية والعاطفية إلى التأمل في علاقة اللغة بالذاكرة والفكر، كل قراءة له تكشف عن أفق جديد، وتجعل القارئ يكتشف ذاته من خلال تجربة الكاتب، فيتجدد الشغف بالكلمة واللغة بشكل أقوى وأعمق.

كل نص في كتاب «ذاكرتي الأدبية» لا ينقطع بالحرف والمعرفة، وينقل القارئ عبر عالم غني بالصور والعبارات التي تشد الفكر وتفتح الذهن، لتصبح القراءة هنا مغامرة حقيقية في عالم الجمال والإبداع، دعوة للتوقف عند اللغة، للتأمل في الخبرة الأدبية، وللتفكر في العلاقة بين القراءة والكتابة، بين الذاكرة والإبداع.

بعبارة أخرى، «ذاكرتي الأدبية» حالة حياتية وفكرية، تتيح للقارئ فرصة التفاعل مع لغة صافية، وأفكار نابضة، وروح متجددة، كتاب يُعاد قراءته مرات ومرات، وفي كل مرة يفتح أمام القارئ موطنا جديدا للإبداع، ونافذة على جمال الحياة التي يعيشها الكاتب في لحظاته الفكرية، ومعرفته بالكتب، وعشقه للكلمة.

في الختام، هذا الكتاب الذي افتتحه كاتبه بعبارة «اللغة وطن»، برهن فعلا أن اللغة وطن، والفكر روح، والكتابة حياة، والقراءة شغف، إنه دعوة للتأمل، للغوص في ذاكرة الكاتب وقراءاته، وللاحتفاء بجمال الفكر والمعرفة.

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *