العُمر… ذلك الرقم الذي نظن أنه يعكس جوهرنا، بينما الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.
لطالما شغلنا سؤال العمر، وأعطيناه من الاهتمام ما يفوق حجمه الحقيقي، غير أن لحظات التأمل الصادق تكشف لنا أن العمر ــ كما نردده مرارًا ــ
ليس سوى رقمٍ لا يمنح الإنسان قيمته، ولا يختزل تجربته، ولا يحكي قصته.
ويروي الحديث أن الله حين خلق العقل قال له:
“أَدْبِر فأَدْبَر، ثم قال له: أَقْبِل فأَقْبَل”.
فقال سبحانه:
“وعزتي وجلالي، بك أُعاقِب وبك أُثِيب”.
إنه إعلانٌ ربيانيّ عن أعظم ما مُنِح للإنسان:
العقل… بوابة التكليف، ومَناط الفضل، وسرّ التمايز.
ومع طول التجربة، وعمق المخالطة، وتأمل عشرات الوجوه، ومختلف الأعمار، تنكشف الحقيقة جلية:
رأيتُ صغيرًا يُدهِشك بوعيه ورجاحة عقلة، وبيان منطقة، وكبيرًا يَصدمك بسطحية فكره، وضيق خلقه، وسوء معاشره، وحدود بصيرته، ودنُوَّ همته.
عندها كان سؤالًا مُلحًا:
لماذا يصبح العمر مجرد رقم؟
ومتى يكتسب قيمته؟
وجدت الجواب في قوله تعالى:
{ولقد كرّمنا بني آدم} ؛
وكانت أعظم مظاهر التكريم هي مَنح الإنسان عقلاً قادرًا على الإختيار ،والتمييز، وصِناعة أثرٍ يُخلّد صاحبه.
ومن هنا تبلورت الحقيقة:
العمر في ذاته لا يرفع إنسانًا ولا يضعه، ولا يزيده قدرًا ولا ينقصه.
إنه مجرد إطارٍ زمنيٍّ محايد، لا يكتسب قيمته إلا بما نملؤه نحن.
قيمة العمر تُصنع بـ:
أخلاقك، وصنائعك، وعقلك، وتفكيرك، وعلمك، وقيمك، ومبادئك، ومعتقداتك، وفضائلك، وشمائلك، ومروءتك، وعطائك.
هذه وحدها هي التي تمنح العمر قَدْرَه، وتمنح الإنسان مكانته، وتمنح الحياة معناها.
الخلاصة:💡
من عرف ذاته، وفهم رسالته، وارتقى بعقله، وتهذّب بخلقه؛ فقد جعل من سنواته قيمة خالدة تتحدّى الفناء.
فإذا غاب العقل غاب المجد، وإن حضر العقل والوعي حضر عمرٌ يتجاوز عدّ السنين إلى عمق الأثر.🌟🧠
✍🏻 نوال الدريبي