قراءة في أخلاقيات الأعمال ومسؤولية التجار

تُعدّ التجارة من أقدم الأنشطة الإنسانية وأكثرها تأثيرًا في المجتمعات والاقتصادات، وقد قامت منذ نشأتها على مبدأ تبادل المنافع وتحقيق الربح المشروع، مع تحمّل قدرٍ من المخاطرة المحسوبة،ولا خلاف على أن الخسارة جزء من دورة العمل التجاري، وأن تقلبات السوق، وسوء التقدير أحيانًا،والظروف الاقتصادية المتغيرة قد تُلحق الضرر حتى بأكثر التجار خبرة.

غير أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في وقوع الخسارة، بل في كيفية التعامل معها، وفي الخط الفاصل بين المخاطرة المشروعة والتعدّي غير المشروع على حقوق الآخرين.

في بيئة الأعمال الحديثة، أُقِرّت أنظمة وإجراءات نظامية تهدف إلى تنظيم السوق وحمايته، مثل إعادة الهيكلة أو تعليق النشاط أو إعلان الإفلاس،وهي أدوات مشروعة أُنشئت لمعالجة التعثر المالي، لا لتكون مخرجًا للتنصل من الالتزامات أو وسيلة لإسقاط الذمم.

فإلغاء السجلات التجارية أو إنهاء الكيانات النظامية قد يُغلق ملفًا إداريًا، لكنه لا يُغلق ملف الحقوق، ولا يُغيّر من حقيقة أن المال أمانة، وأن الالتزامات الأخلاقية لا تسقط بالإجراءات الشكلية.

وقد قرر الإسلام هذا المبدأ بوضوح حين قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾
كما وضع النبي ﷺ ميزانًا دقيقًا يفرّق بين التعثر بحسن نية والتلاعب المقصود، بقوله:
«من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله»
إن العمل التجاري الحقيقي لا يُقاس فقط بحجم الإيرادات أو عدد المشاريع، بل يُقاس بسلامة الذمة، والوفاء بالالتزامات، والشفافية في التعامل، وحفظ حقوق الشركاء والعاملين والمتعاملين؛فهذه القيم هي التي تصنع الاستدامة، وتبني الثقة، وتحفظ للسوق توازنه.

وليس من المهنية ولا من المروءة التجارية أن تُحمَّل الخسائر على أطراف أضعف،أو أن يُستباح مال الغير بحجة أن “هذه طبيعة التجارة”،فالتجارة لا تُلغي الأخلاق، ولا تعفي من المسؤولية، بل تزيدها، لأن أثرها لا يقتصر على فرد واحد، بل يمتد إلى المجتمع والسوق ككل.

الخسارة المالية قد تُعوَّض، لكن خسارة الثقة والأمانة لا تُعوَّض؛ فالتاجر لا يملك في النهاية إلا سمعته، وإذا سقطت سمعته سقطت تجارته، وانقطعت ثقة التجار به.

ومن هنا، فإن بناء بيئة تجارية صحية لا يتحقق بالأنظمة وحدها، رغم أهميتها، بل يتطلب ضميرًا مهنيًا حيًا، وإيمانًا راسخًا بأن العدالة في المعاملة ليست عبئًا على التجارة، بل ضمانًا لاستمرارها، وأن السوق الذي تُصان فيه الحقوق هو السوق الذي ينجو فيه الجميع على المدى الطويل.

د. فيصل البقمي
رئيس مجلس الأعمال السعودي الصومالي

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *