قراءة في كتاب “رمز في ذاكرة بريدة”
في أدب السير والتراجم السعودي، حيث نبض الرمز في ذاكرة المدينة، صدر عن دار الثلوثية ، للمثقف السعودي الدكتور عبدالرحمن المشيقح ، كتاب “رمز في ذاكرة بريدة ، الشيخ عبد الله بن عبد العزيز المشيقح رحمه الله (1310ه- 1391ه / 1893م- 1971م) ” والذي قدم له معالي الشيخ د. صالح بن عبد الله بن حميد.
سجل المؤلف من خلاله عملاً توثيقيًا يرصد سيرة والده الشيخ عبد الله بن عبدالعزيز المشيقح (1310–1391هـ)، أحد الشخصيات البارزة والمؤثرة في تاريخ بريدة والقصيم خلال القرن الرابع عشر الهجري، في مرحلة التحولات الكبرى التي شهدها تاريخ المملكة، وشارك فيها الرمز الوجيه في مجالات العلم والإصلاح والتجارة والعمل العام. ولم يكتف المؤلف فيه بتسجيل سيرة الشيخ الذاتية، بل اتخذ من حياة الشيخ عبد الله مرآة تعكس تطور المجتمع النجدي وتحولاته في التعليم، والدين، والاقتصاد، والعمران.
إن هذا الكتاب ليس مجرد سرد لسيرة والد المؤلف فحسب، بل هو نموذجًا مميزًا من البر الذي يتحول إلى مشروع معرفي متكامل، وإلى تعبير عملي عن المحبة عبر البحث والتنقيب والتوثيق والأرشفة والكتابة. لقد شقّ المؤلف طريقه بين الوثائق القديمة، والأوراق المتناثرة، والروايات الشفوية، ليسدّ فجوة في التدوين، وليبقي اسم والده حاضرًا في ذاكرة المكان والناس، كما كان حاضرًا في حياتهم. وهكذا يغدو هذا الكتاب شاهدًا على أن الكتابة نفسها يمكن أن تكون شكلا من أشكال البر؛ وتعبيرا عن الفضل والعرفان، يردّ بعض من الجميل، وإن كان جميل الوالدين لا يرد، ويفتح للسيرة والروح بابًا آخر للحضور في قلوب الناس ووجدانهم.
بنى المؤلف كتابه على تدرج من «المكان» إلى «الأسرة» ثم «الشخصية» ثم «الشبكة الاجتماعية»، بحيث تتوزع المادة على مقدمات وفصول ووحدات وثائقية متكاملة.
يستهل المؤلف كتابه بمقدّمة شرح فيها دوافع التأليف، ويُبيّن أن كثرة السؤال عن شخصية الشيخ وقلّة ما كُتب عنه، إضافة إلى إحساسه بالمسؤولية بعد رحيل جيل الإخوة والأخوات، دفعته إلى جمع ما استطاع من أخبار ووثائق وخبرات عاشها معه أو نقلها الثقات عنه، ثم تقديم لمعالي الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد ، إمام وخطيب الحرم المكي والرئيس السابق لمجلس الشورى السعودي ورئيس مجلس القضاء الأعلى سابقًا والمستشار في الديوان الملكي لهذا الكتاب.
ثم يفتتح المؤلف الموضوعات بتمهيد عن مدينة بريدة عبر التاريخ، جغرافيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، بريدة في عبق الماضي، بريدة في ذلك الزمن، بريدة .. أسواقها وأحيائها السكنية؛ لتهيئة القارئ لفهم البيئة التي تشكّلت فيها شخصية الشيخ. ثم ينتقل إلى الحديث عن أسرة المشيقح: أصولها، مكانتها الاقتصادية والاجتماعية، أعيانها، وكيف تداخل دورها التجاري والعلمي مع تاريخ القصيم.
ويقدّم في الفصل الثاني إطلالة تاريخية على أسرة المشيقح، فيبدأ بلمحة عن جذورها الأولى في أشيقر، ثم يرصد رحلة الأسرة إلى عنيزة قبل أن تستقر في بريدة، مستندًا إلى ما دوّنه المؤرخون عن انتقال آل المشيقح من أشيقر إلى القصيم، وإسهامهم في محيطهم الجديد. يتوقف المؤلف عند معنى اسم «مشيقح»، ثم ينتقل إلى عرض الشخصيات البارزة في الأسرة منذ القدم؛ مثل مشيقح الأول، وحمود بن مشيقح الأول، وعبدالله بن مشيقح الأول، وصولًا إلى عبدالعزيز بن حمود بن مشيقح، مع إبراز علاقته بالملك عبدالعزيز المؤسس والمسؤولين ورجال الدولة ودوره في ترسيخ مكانة الأسرة العلمية والاجتماعية والاقتصادية في بريدة.
أما الفصل الثالث فيركّز على «سيرة ومسيرة» الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز المشيقح، فيتناول ولادته ونشأته المبكرة في بيئة علمية وتجارية، ثم مسيرته في طلب العلم على عدد من المشايخ، وما تميزت به شخصيته العلمية والعملية. ويتدرج المؤلف في عرض حياته الأسرية، فيتحدث عن والدته وإخوانه وأخواته وزوجاته وأولاده وبناته، برنامجه اليومي، علاقته بولاة الأمر، جماعة مسجد المشيقح، ليقدّم صورة متكاملة للشبكة العائلية التي أحاطت بالشيخ، وكيف أسهم هذا المحيط في تشكيل حضوره العلمي والاجتماعي الذي يركّز عليه الكتاب في بقية فصوله.
وفي الفصل الرابع: في عيون المؤرخين يفرد المؤلّف فصلًا خاصًا لصورة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز المشيقح في كتابات المؤرخين والباحثين، فيستعرض ما سجّلوه عن سيرته العلمية ودوره الاجتماعي والاقتصادي في بريدة والقصيم.
فيما يرتكز الفصل الخامس على مجموعة من الوثائق والمكاتبات بخط الشيخ نفسه، إضافة إلى ما شهد عليه من عقود ومعاملات ورسائل، ليقدّم للقارئ مادة أولية تعكس طريقته في التفكير والتعبير والتعامل.
أما الفصل السادس: في عيون الشعراء فهو نماذج من الشعر التي تناولت علمه وكرمه ومكانته بين الناس. يضيف هذا البعد الشعري بعدًا وجدانيًا إلى السيرة، إلى جانب قصائد تناولت العائلة وشخصيات بارزة من الأسرة
وفي الفصل السابع: يتناول الملوك الذين عاصرهم الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز المشيقح، وفي مقدمتهم الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه، مبرزًا موقعه ضمن رجالات الدولة الذين اصطفّوا خلف مشروع التوحيد والبناء، من خلال المكاتبات والبرقيات والوفود الرسمية التي كان يشارك فيها أو يوقّع عليها مع وجهاء بريدة، وكذا علاقته بالملك سعود والملك فيصل بن عبدالعزيز رحمهما الله. كما يستعرض الفصل صلته بأمراء منطقة القصيم في مراحل مختلفة، ودوره كحلقة وصل بين المجتمع المحلي والقيادة الإدارية؛ سواء عبر متابعة شؤون الأهالي أو المشاركة في المجالس واللجان الأهلية، بما يعكس تداخل وجاهته الاجتماعية مع حضوره في المجالات الرسمية والعامة.
وفي الفصل الثامن يذكر المؤلف المشايخ والقضاة الذين عاصرهم والده الشيخ عبدالله، وفي الفصل التاسع – دون أسماء وجهاء وأعيان مدينة بريدة الذين عايشهم والده الشيخ عبدالله وعاصرهم.
ثم الفصل العاشر – عدد من المحطات المضيئة في حياة الشيخ، مرتبطة بأماكن وأدوار تحوّلت مع الوقت إلى معالم اجتماعية في بريدة؛ فيقدّم المؤلف «بيت المشيقح» بوصفه مجمعًا كبيرًا يضم عددًا من البيوت المتصلة ويسكنه أفراد الأسرة في إطار حياة مشتركة تقوم على وحدة السكن والضيافة، و«دكان المشيقح» الذي لم يكن متجرًا اعتياديًا بقدر ما كان مجلسًا مفتوحًا في قلب السوق يستقبل القادمين، ويتداول فيه وجهاء المدينة أخبار التجارة والأسعار والشؤون العامة.
كما يبرز «رباط مسجد المشيقح» بما أدّاه من وظيفة سكن وتعليم لطلاب العلم والغرباء، مع توفير الإقامة والطعام والكسوة والدروس والمكتبة ونسخ الكتب يدويًا، في صورة مبكرة لمؤسسة أهلية تخدم العلم وطلابه. وتأتي «طاية القراية» بوصفها سطحًا مخصصًا لحلقات القراءة الليلية لأبناء الأسرة ومن يلتحق بهم من طلاب العلم، إلى جانب عناية خاصة بتأمين مياه الشرب العذبة للبيت والمسجد رغم صعوبة الحصول عليها آنذاك، مما يجعل هذه المحطات شواهد عملية على حضور الأسرة في خدمة المجتمع دينيًا وتعليميًا واجتماعيًا.
أما الفصل الحادي عشر – نوافذ الخير، واشتمل على الجوائز التي تحمل اسم الشيخ ، وكذلك المكتبة الخاصة بالمكفوفين التي تحمل اسمه، التي أسسها أبناء الشيخ عبدالله رحمه الله.
ويختتم المؤلف كتابه بالفصل الثاني عشر «قالوا عنه»، وفيه يجمع طيفاً من الشهادات التي كتبها أو قالها علماء، ومسؤولون، ووجهاء، وأقارب ممّن عرفوا الشيخ عبدالله بن المشيقح عن قرب وتعاملوا معه في مجالات العلم والعمل والخير.
ويخصص هذا الكتاب مساحة واسعة للوثائق الأصلية: خطابات بخط الشيخ أو بخط والده، مراسلات مع الملك عبد العزيز، ومكاتبات مع وجهاء بريدة وعنيزة وغيرهم. هذه الوثائق تكشف موقع الأسرة في شبكة العلاقات الرسمية والاجتماعية، وتبرز صورة الشيخ كرجل علم ومال وجاه، لا في مدينته فقط بل في محيطها الأوسع.
ومع ما في الكتاب من نزعة وفاء وتمجيد طبيعية في سياق برّ الابن بوالده، فإنه يقدّم مادة علمية ثرية تحوّل الكتاب إلى مصدر أكاديميّ موثوق للباحثين في التاريخ الاجتماعي وأدب السيرة والذاكرة، وتمكنهم من استثمار المادة في قراءات أعمق تتناول علاقة النخب المحلية بالتحولات الوطنية الكبرى. بذلك يغدو الكتاب لبنة في مشروع أوسع لكتابة التراجم المحلية، يفتح الباب لأعمال مشابهة تسجّل سير رجال ونساء كان لهم دور في تكوين ملامح المجتمع في مدن المملكة المختلفة.
لقد بدا الكتاب في جوهره جسرًا يصل بين الذاكرة الخاصة والذاكرة العامة؛ فالمؤلف لا يكتب عن والده بصفته قريبًا فحسب، بل بصفته رمزًا اجتماعيًا وعقليًا وروحيًا كان له حضور بارز في حياته، وفي حياة مدينة بأكملها. وبذلك امتزج التحليل بالتوثيق، والتاريخ بالعاطفة، ليخرج هذا العمل بصورة تليق ببرّ الابن بوالده، وبمكانة الشيخ التي استقرّت في وجدان الناس وفي وعي المكان.
مقالات سابقة للكاتب