حين فقد الموت هيبته؟!

يمرّ الموت من حولنا كل يوم ، ويخطف الأحبة ويغيّب الأصدقاء ويغلق أبوابًا كانت مفتوحة بالأمس.

ومع كل ذلك نواصل حياتنا كأن شيئًا لم يكن ؟!
نسمع خبر الوفاة نتأثر لحظة ثم نعود لأحاديثنا وطعامنا وضحكاتنا كأن الموت لا يعنينا وكأن الدور لا يمكن أن يصل إلينا وهنا يبدأ السؤال المؤلم لماذا لا نتّعظ بالموت وهو أعظم واعظ؟!
نحن نؤمن بالموت من حيث المبدأ ونعترف أنه حقيقة لا مفر منها لكن هذا الإيمان يظلّ حبيس العقل ولا يمرّ بالقلب ،فيبقى في دائرة الإدراك ولا يبلغ مقام الشعور. بمعنى آخر أننا نؤمن بالموت علمًا لا حالًا، ومعرفةً لا خشيه، فنؤمن أن غيرنا سيموت أما نحن ففي داخلنا شعور خفي يخدرنا بفرضية طول الأمل ، حيث نرى الموت يمر بالآخرين ونظن أننا على هامش المشهد ، وهذا لعمري إنما هو وهم من وساوس النفس ، قال تعالى (إنك ميت وإنهم ميتون) آية نقرأها كثيرًا لكن قلوبنا لا تقف عندها ولا تتأملها بعمق.
عدم الاتعاظ بالموت ليس إنكارًا للحقيقة بل هو ضعف في اليقين تمامًا كحال المدخّن الذي يرى التحذير مكتوبًا بوضوح على علبة السجائر ويعلم أن التدخين يدمّر الرئة والقلب والجسد ومع ذلك يستمر لأنه يظن أن الضرر سيصيب غيره لا هو ، حيث يعيش حالة إنكار صامتة وهكذا نفعل مع الموت نعلم أنه آت لا محالة لكننا نؤجل الاستعداد له ونقنع أنفسنا أن الوقت ما زال طويلًا أمامنا ، قال تعالى (قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم).
وحين يضعف الإيمان تقسو القلوب وحين تقسو القلوب لا يعود الموت مؤثرًا.
الانغماس في الدنيا والتعلق بها وطول الأمل كلها تصنع غفلة ثقيلة تجعل الإنسان يؤجل التوبة ويؤخر الرجوع لربه وتجديد التوبة والإنابة إليه ويظن أن أمامه عمرًا ممتدًا يستطيع من خلاله أن يستدرك مافاته ، بينما في حقيقة الأمر الموت لا يعرف التأجيل ولا ينتظر اكتمال الخطط ولا يراعي الأعذار.

في زمننا هذا ازدادت المشكلة تعقيدًا بسبب ما نراه يوميًا من مشاهد الموت التي نراها صباح مساء ، فالزلازل تحصد الآلاف والحروب تبتلع المدن والدمار يُبث على الشاشات بلا توقف ومع كثرة المشاهدة يصاب الإنسان بما يسمى التبلّد الانفعالي فيبرد الإحساس وتضعف الصدمة لا لأن القلب قاسٍ بل لأنه مُنهك حين يُعرض الموت كرقم وكخبر عاجل بلا اسم ولا قصة ولا دعاء يتعامل معه العقل كمعلومة لا كموقف وجودي فيفقد الموت قدرته على الوعظ ويصبح ضجيجًا عابرًا سرعان ما يمُرّ ويهمل ويطوى في صفحة النسيان.
وتفسر بعض النظريات النفسية هذا السلوك بأنه آلية دفاعية فحين يتكرر الخوف من الموت أكثر مما يحتمل الإنسان يتحول الخوف إلى إنكار ثم إلى لامبالاة ثم إلى انشغال مفرط بالحياة اليومية، فنضحك أكثر وننشغل أكثر لا حبًا في الحياة بل هروبًا من مواجهة الحقيقة.

نحن نعيش الزمن وكأنه ساكن بينما هو يمضي بسرعة هائلة كمن يجلس في قطار حديث فائق السرعة لا يشعر بالحركة ولا يرى الاندفاع لكن النهاية تقترب دون أن يشعر وفجأة ينظر إلى الساعة فيُفاجأ كيف مرّ الوقت كوهلة أو كلمحة عين هكذا تماماً هو العمر يمر سريعاً ونحن نظنه ثابتًا.

والموت في النهاية ليس حدثًا عابرًا ولا خبرًا مؤلمًا بل حقيقة فاصلة قال تعالى( كل نفس ذائقة الموت ). الموت حقيقة لا تستثني أحدًا ولا تؤجل لأحد والعاقل ليس من خاف الموت بل من استعد له وليس من هرب منه بل من جعله بوصلة لحياته فإن لم يوقظنا موت غيرنا فسيوقظنا موتنا ولكن حينها ليس هناك عودة أو خط رجعة قال تعالى (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون).
اليوم طالما أننا على قيد الحياة فما زال في الوقت سعة وفي النفس رمق وفي الباب فسحة فالغفلة التي نعيشها ليست عادية بل من أخطر صور الغفلة المعاصرة لأنها جعلت الموت يمر بنا ونحن نمر به دون أن نتغير. اللهم لا تجعل الموت أول ما يوقظنا ولا تجعل الغفلة آخر ما يسكن قلوبنا.

نوار بن دهري
NawarDehri@gmail.com

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *