كيف يتحول فائض النعم من وعدٍ بالطمأنينة إلى انزلاقٍ هادئ نحو فراغٍ لا يُرى ؟
ليس السؤال الحقيقي لماذا يسقط بعض من ملكوا المال والشهرة والنفوذ، ولا لماذا تنتهي قصص كثير من الأثرياء والمشاهير في مساراتٍ مظلمة تنفر منها الفطرة السليمة.
السؤال الأعمق هو: لماذا تعجز الوفرة عن إنقاذ الإنسان؟
يعيش الإنسان الحديث على وهمٍ قديم مفاده أن المعاناة وليدة النقص، وأن الخلاص يكمن دائمًا في المزيد: المزيد من المال، المزيد من المتعة، المزيد من الخيارات. غير أن التجربة الإنسانية، حين تُقرأ بصدق، تكشف أن الخطر لا يكمن دائمًا في القِلّة، بل كثيرًا ما يتشكّل في الوفرة حين تُترك بلا سقف.
هناك قانونٌ نفسيّ صامت يمكن تسميته بـ «تضخّم عتبة اللذة». فاللذة لا تختفي فجأة، لكنها تفقد حساسيتها بالتدريج. ما كان يثير الدهشة يصبح عاديًا، وما كان عاديًا يتحول إلى ملل، ثم إلى بحثٍ هادئ عن كسرٍ جديد يعيد الإحساس المفقود.
في هذه اللحظة لا تكون الأزمة أخلاقية بقدر ما هي وجودية. فالإنسان الذي يستطيع الوصول إلى كل شيء، يفقد القدرة على التذوق. الأشياء لا تخونه، لكنها تتوقف عن سدّ فراغٍ أعمق منها.
وهنا يبدأ «انتحار الوفرة». فالوفرة، حين تُرفع عن أي ضابطٍ قيميّ أو معنويّ، لا تمنح الطمأنينة، بل تدفع النفس إلى رفع سقفها باستمرار. من المباح إلى ما دونه، ومن العادي إلى المتطرف، ليس بدافع الشر، بل بدافع الهروب من الملل الداخلي.
هذا المسار النفسي عبّر عنه القرآن بعبارةٍ موجزة كاشفة:
{بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ}.
فالفجور هنا ليس انحراف لحظة، بل اتجاه حياة، ورغبة في إزالة كل ما قد يشكّل حدًا قادمًا. كأن المشكلة لم تعد في الفعل ذاته، بل في وجود حدودٍ أصلًا.
فقر المعنى، لا فقر المال، هو ما يدفع الإنسان إلى هذا المنحدر. حين يغيب السؤال الكبير: لماذا أعيش؟ تُستبدل الحياة بسلسلة محاولات لتسكين الفراغ، لا لملئه. وتتحول المتعة من اختيارٍ إلى ضرورة، ومن شغفٍ إلى وظيفة.
الروح، بطبيعتها، لا تُشبع بالأشياء؛ لأنها لم تُخلق للاستهلاك، بل للاتصال. وما لم تتصل بمصدر معناها، ستظل في حالة شبعٍ خارجي وجوعٍ داخلي. ولهذا تشبه الشهوات المادية ماء البحر؛ كلما شرب الإنسان منها ازداد عطشًا، لا لأن الماء مالح، بل لأن العطش ليس عطش جسد.
ربما لا يسقط كثيرون لأنهم تجاوزوا الحدود، بل لأنهم فقدوا الإحساس بمعنى وجودها. وربما ليست المأساة في كثرة ما نملك، بل في غياب ما نعود إليه حين لا تعود الأشياء كافية .
حسن القحطاني
مقالات سابقة للكاتب