نعيش زمناً نُحسن فيه الظنّ بأنفسنا قبل أن نمتحنها.
نُسمّي ما نملكه قوّةً، وما نتمتع به ثباتاً، وما نراه في المرآة حقيقةً نهائيةً.
غير أن التجربة، حين تأتي، لا تسأل عمّا كنّا نظن، بل عمّا نتقوى به.
يقول تعالى:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران: 142)
فالامتحان ليس تشكيكاً في الإيمان، بل إظهاراً لحقيقته. وليس انتقاصاً من الإنسان، بل إعادة تعريف له بعيداً عن الوهم والزينة.
هناك، في لحظة الضيق، يُسحَب الغطاء عمّا اعتدنا الاتكاء عليه، ويبقى الجوهر وحده في المواجهة.
ويُجلي النبي ﷺ هذا المعنى حين يقول:
(إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ قَوْماً ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ.) ( رواه الترمذي )
فالفرق بين الناس لا تصنعه الشدّةُ، بل طريقة عبورهم لها.
ليس كل من تألّم تشابه ألمه، ولا كل من صبر خرج كما دخل.
بعضهم خرج أنقى وأطهر، وبعضهم أكثر فهماً وبصيرةً، وبعضهم فقط… أقلّ قسوة.
ولم يكن الابتلاء يوما علامة ضعفٍ، بل سُلّم معرفةٍ.
قال علي بن أبي طالب t : » يُعرَف الصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء. «
وكأن الشدّة لا تُسقِط الأقنعة فحسب، بل تُعيد ترتيب القيم داخل النفس.
ومن خارج تراثنا، تتقاطع التجارب الإنسانية عند الحقيقة ذاتها.
وفي هذا السياق، استوقفتني عبارة بسيطة قرأتها ذات يوم في حالةٍ لأحد الأصدقاء النبلاء الطيبين:
(أحسنوا الظن بالآخرين، وقولوا: لعلّ لهم عذرًا لم نعرفه.)
بدت العبارة للوهلة الأولى نصيحةً أخلاقيةً، لكنها في عمقها اعترافٌ إنسانيٌ ناضج: نحن لا نعرف معارك الآخرين الخفية، ولا اللحظات التي أُخذ منهم فيها ما ظننّاه ثابتًا، ولا الخسارات التي أعادت تشكيلهم بصمت.
وحين نربط هذه الحكمة بعنوان المقال، تتّضح الصورة أكثر: لسنا كما نظن عن أنفسنا حين تسير الأمور،
ولا كما نُحب أن يُصنّفنا الناس، بل كما تصنعنا اللحظات التي تضيق فيها الخيارات، وتتراجع فيها المسميات، ويبقى الإنسان عاريًا إلا من قيمه.
ربما لهذا كان حُسن الظن ضرورة عقلية قبل أن يكون خُلُقاً إيمانياً؛ لأن الحكم على الناس قبل التجربة حكم ناقص، ولأن القسوة في التقييم غالبًا ما تكون جهلًا بالسياق لا شجاعة في الرأي.
لسنا كما نظن… بل كما تصنعنا اللحظات التي لم يشهدها أحد، والصبر الذي تعلّمناه حين لم يكن أمامنا طريق آخر.
كتبه الفقير إلى عفو ربه د. طلال بن عبدالله بن حسن بخش
دكتوراة مصرفية إسلامية وتمويل باحث ومفكر إسلامي
كوالالمبور 22-شعبان – 1447هـ
مقالات سابقة للكاتب