نعيش أعمارنا بين اختيارات لا تنتهي ،حيث نظن أننا أحرار فيها بينما تقودنا أحيانًا أهواؤنا وصور براقة رسمها المجتمع والإعلام أكثر مما يقودنا الوعي والبصيرة.
لم يتعلم كثير منا كيف يختار بل تعلّم كيف يندفع ثم يكتشف متأخرًا أن ثمن الاختيار الخاطئ قد يكون عمرًا كاملًا من الندم ، من الصداقة إلى الزواج ومن التخصص إلى أبسط قرارات الحياة تتكرر الأخطاء لأننا لم نُدرّب على مهارة الاختيار نفسها.
هذا المقال محاولة للتأمل في سؤال مؤلم هل نحن فعلًا أصحاب قراراتنا أم ضحايا جهل لم يخبرنا أحد كيف نتجاوزه.
كثيرًا ما نردد بمرارة «اختياراتي دمّرت حياتي» وكأن الخطأ وُلد معنا أو كُتب علينا قدر لا فكاك منه لكن الحقيقة الأعمق أننا في أغلب الأحيان لسنا ضحايا قراراتنا وحدها بل ضحايا غياب تعليم الاختيار ذاته.
لقد تعلمنا القراءة والكتابة وتعلمنا كيف ننجح في الاختبارات لكن قليلون منا تعلموا كيف يختارون الصديق وشريك الحياة والتخصص وحتى أبسط تفاصيل الحياة اليومية بنجاح.
ننشأ في بيئات تدفعنا إلى الاختيار بدافع الهوى أو الانبهار أو ضغط المجتمع ثم نتعلم لاحقًا وبقسوة من خلال الألم والتجربة المبكية كم من صديق اختير بدافع الحماس ثم تبيّن أنه عبء وكم من زواج بُني على المظهر أو الاندفاع فانتهى إلى طلاق أو حياة صامتة يختنق فيها الطرفان حفاظًا على صورة اجتماعية أو من أجل الأبناء بينما تخسر النفس صحتها ويضيع الأبناء بين صراع خفي وألم وحسرة لا تنتهي.
لقد أرشد الدين إلى معايير واضحة في الاختيار خصوصًا في الزواج لكن السؤال المؤلم هل نأخذ بها فعلًا أم نتركها لصالح صور براقة ومعايير سطحية؟!
لو كانت اختياراتنا واعية لما رأينا هذا الارتفاع المقلق في نسب الطلاق وتفكك الأسر، المشكلة ليست في الزواج ذاته بل في منهج الاختيار الذي يسبق القرار
ولا يقف الأمر عند العلاقات الإنسانية فحسب، فكم من شاب دخل تخصصًا لا يحبه لأنه أُجبر عليه أو خضع لضغط المجتمع فقضى عمره يعمل فيما لا يميل إليه قلبه وكم من مستهلك انبهر بإعلان لامع أو ديكور متجر فاخر فاشترى سلعة اكتشف لاحقًا أنها لا تستحق ما دفعه.
الإعلام لا يعلّمنا كيف نختار بل يقدّم لنا الاختيار في صورة إعلان جذاب فنشتري بحماس ثم ندفع ثمن الاندفاع ندمًا.
وتشبه حكايتنا قصة الثعلب الذي قُطع ذيله فاحتال على غيره ليقطعوا ذيولهم حتى لا يشعر بالنقص وحده هكذا تنتشر التقليعات والموضات بلا وعي فنقلّد دون أن نسأل هل يناسبنا هذا الاختيار فعلًا أم لسنا في حاجة إليه.
لقدأصبح الشكل معيارًا يتقدّم على الجوهر يُرفض شاب صالح لأن مظهره بسيط وتُرفض فتاة طيبة لأنها لا تشبه “الكتالوج” المتخيل في الأذهان وكأن الحياة معرض صور لا رحلة قيم ومبادئ عليا.
إن أزمة الاختيار ليست ضعفًا فرديًا بقدر ما هي فراغ تربوي وثقافي. لم نتعلم أن نسأل الأسئلة الصحيحة قبل القرار هل هذا يناسب قيمي هل سيضيف إلى حياتي معنى هل أنجذب إلى الجوهر أم إلى اللمعان ولو تعلمنا هذه الأسئلة مبكرًا لتخففنا من أعباء كثيرة ولما أصبحت الحياة ثقيلة تحت وطأة نتائج اختيارات متسرعة وغير محسوبة.
ليس كل ما يلمع ذهبًا وليس كل ما نريده خيرًا لنا.
إن الوعي الحقيقي يبدأ حينما ندرك أن الاختيار مهارة تُبنى لا موهبة فطرية فقط ، وعندما نتعلم كيف نختار بوعي نتحول من ضحايا التجربة المؤلمة إلى صُنّاع حياة أكثر اتزانًا ومعنى ، ربما لا نستطيع تغيير اختيارات الأمس لكننا نستطيع أن نعيد صياغة وعي اليوم.
الحياة لا تثقلنا بقدر ما يثقلنا الجهل بطريقة السير فيها وحين ندرك أن الاختيار مسؤولية ومعرفة قبل أن يكون رغبة أو اندفاعًا تبدأ الرحلة الحقيقية نحو الطمأنينة والنجاح.
لسنا محكومين بأن نكرر الألم ولسنا مجبرين أن نبقى أسرى لما لم نتعلمه.
إن كل لحظة وعي هي بداية اختيار جديد وكل اختيار واعٍ هو خطوة نحو حياة أخف قلبًا وأصدق معنى.
ودمتم سالمين.
نوار بن دهري
NawarDehri@gmail.com
مقالات سابقة للكاتب