سكونٌ مُكلف

نظن أن الانتظار حياد، وأن البقاء مكاننا أمان، بينما الحقيقة أن السكون قرار صامت… وثمنه لا يُدفع دفعة واحدة، بل يُستنزف من أعمارنا بهدوء.

ليس الناس سواءً أمام الحياة.

بعضهم يتحرك، وبعضهم يشرح، وآخرون يكتفون بالمشاهدة من مقاعد مريحة.

والفرق بينهم لا تصنعه كثرة المعرفة، بل جرأة الخطوة.

من الناس من يبدأ قبل أن يطمئن تمامًا.

لا ينتظر اكتمال الصورة، ولا يطالب الحياة بضمانات مكتوبة.

يعرف أن الوضوح يولد أثناء السير لا قبله.

يتعثر، يصحح، يتعلم، ويكمل.

هذا النوع لا يبدو دائمًا واثقًا، لكنه حيّ.

وفي المقابل، يقف من يراقب بعين يقظة وقلب متردد.

يفهم المشهد، يحلل التفاصيل، يزن الاحتمالات، ثم يؤجل.

يريد توقيتًا مثاليًا، ظرفًا أكثر استقرارًا، شعورًا كاملًا بالطمأنينة.

ولا يدرك أن الطمأنينة لا تسبق الخطوة… بل تتبعها.

المشكلة ليست في أنك لم تبدأ بعد،

المشكلة أنك أقنعت نفسك أن الوقت ما زال واسعًا.

وهناك من يقترب ليستفيد.

يراقب تجارب غيره، يقلّدها، ويحاول أن يعيد رسمها في حياته.

بعضهم يعبر هذه المرحلة سريعًا ثم يجد صوته الخاص،

وبعضهم يظل أسير خطوات الآخرين، كأنه يخشى أن يخطئ بطريقته.

لكن الحياة لا تُستنسخ، وما يصلح لغيرك قد لا يشبهك.

ثم يظهر من يتخذ دور الناقد الدائم.

لا يبني، لكنه يجيد كشف الثغرات.

يعلّق على كل محاولة، ويشكك في كل خطوة.

أحيانًا يكون نقده صادقًا، وأحيانًا يكون ستارًا يخفي خوفًا قديمًا من التجربة.

فالهجوم أسهل من البدء، والكلمة أيسر من الفعل.

وهناك من ينشغل ليهرب.

يمتلئ جدوله، يتراكم عمله، يزداد حضوره الظاهري،

لكن اتجاهه لا يتغير.

حركة كثيرة… بلا اقتراب حقيقي مما يريد.

وأخطرهم من يعرف ولا يفعل.

تجلس معه فتنبهر بوعيه، يتحدث عن التغيير وكأنه صنعه، وعن الشجاعة وكأنه عاشها.

ثم تمر السنوات، ويظل في المكان نفسه.

الفكرة عنده تظل فكرة، والقرار مؤجل، والخطوة معلقة بين خوفين.

هذا لا يسقط فجأة، بل يتآكل ببطء، حتى يصبح الفهم شاهدًا عليه لا له.

السكون ليس راحة طويلة، بل تكلفة مؤجلة.

كل يوم بلا خطوة يعمّق مكانك أكثر.

وكل تردد مزمن يتحول مع الوقت إلى هوية.

في النهاية، لن يؤلمك ما فشلت فيه.

سيؤلمك ما لم تجربه أصلًا.

فالحياة لا تعاقبنا على المحاولة،

لكنها لا تنتظر المترددين .

حسن القحطاني 

مقالات سابقة للكاتب

2 تعليق على “سكونٌ مُكلف

احمد الرفاعي عبد المقصود موسى

رووووووووووعة
د حسن أحسنت وأبدعت

خديجة الزهراني

أبدعت استاذ حسن وليس بمستغرب من مثقف ومربي أجيال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *