ليست كلُّ البدايات تبدأ من الصفر.
هذه حقيقة لا تُدرَّس، بل تُنتزع من قلب التجربة.
ثَمَّةَ لحظاتٌ في الحياة لا تمنحك فرصةَ البدءِ من جديد، لأنها ببساطة تُسقِط كلَّ شيء.
لا تترك لك أرضاً مُمَهَّدةً، ولا نسخةً نظيفةً من نفسك، بل تضعك أمام ذاتٍ أنهكَها التعبُ، وذاكرةٍ مُثقَلةٍ بما لا يُقال..
ومع ذلك، وبطريقة يصعبُ تفسيرها، لا ينطفئ الإنسان تماماً.
قد ينطفئ الحماسُ،
وقد تنطفئ الأحلامُ،
وقد تنطفئ الصور القديمة التي رسمناها لأنفسنا…
لكن شيئاً خفياً يبقى متقداً في الداخل، يرفض الاستسلام لفكرةِ النهاية.
الحياة، في جوهرها، لا تتحرك بخط مستقيم كما نتخيّل.
إنها تمارس فعل الهدم بقدر ما تمارس فعل البناء.
تهدمُ يقيناً، لتبني فهماً، وتسلبُ طمأنينةً ساذجةً، لتمنحَ وعياً أكثر قسوةً وصدقاً.
وما نظنهُ سقوطاً نهائياً، يتبيّن لاحقاً أنه إعادة توجيه لا أكثر.
الحياةُ لا تهدم عبثاً.
إنها تُسقِط أحياناً لتُعيد تعريف الوقوف.
سيدنا يوسف – عليـه السلام – لم يبدأ من القصر، بل من الجُبِّ.
لم يكن ظلام البئر سوى ممرٍّ خفيٍ نحو أُفِقٍ لم يكن ممكناً من داخل القصر.
بعض التحوّلات الكبرى لا تحدث في مناطق الطمأنينة، بل في الأماكن التي نظنّها انكساراً نهائيًاً.
حتى أولئك الذين خلدهم التاريخ، لم يصلوا عبر طرقٍ مستقرة، بل عبر انكساراتٍ أعادت تشكيلهم من الداخل.
كم من إنسانٍ ظنّ أن كل شيء انتهى، ليكتشف أن ما انتهى لم يكن حياته، بل صورة قديمة عنها.
الوجع، على قسوته، ليس دائماً خصماً…
أحياناً يكون أداة كشف.
هناك نوعٌ من الفهم لا يُولد في لحظات الراحة، ولا يتشكّل في أزمنة الوفرة.
فهمٌ لا تمنحه الكتب، بل تمنحه الخسارة.
لا تصنعه الإجابات، بل تصنعه الأسئلة التي يفرضها الألم على صاحبه.
وحين يصل الإنسان إلى تلك المرحلة الدقيقة – مرحلة انتهاء الألم لا بزواله، بل باستيعابه – يتبدل كل شيء.
لا يعود البحث عن بداية جديدة أمراً ملحّاً، لأن الفكرة ذاتها تفقد معناها.
ما الحاجة إلى بداية، وقد أصبحت النسخة الحالية من الذات أكثر نضجًا، وأكثر قدرةً على الرؤية؟
ليست القضية أن نبدأ، بل أن نكمل بوعيٍ مختلف.
أن نواصل الطريق من النقطة التي غدونا فيها أقوى، لا من النقطة التي كنّا فيها أبرياء.
أن نقف، لا لأننا لم نسقط، بل لأننا تعلّمنا كيف نقف.
هذه ليست بداية…
هذه عودة.
عودة لا تحمل إنكاراً للماضي، ولا حقداً عليه، بل فهماً هادئاً له.
عودة بعيونٍ ترى بوضوح، وبقلبٍ لا ينسى ما مرّ به، لكنه لم يعد مثقلاً بالغضب.
فالإنسان لا يُقاس بعدد المرات التي بدأ فيها،
بل بعدد المرات التي نهض فيها من ذاته ذاتها.
د. طلال بن عبدالله بن حسن بخش
باحث في المصرفية الإسلامية والتمويل
كوالالمبور – 25شعبان 1447هـ
مقالات سابقة للكاتب