يحكى في الفلكلور الاركاني أن ملكاً سأل أذكى وزرائه يوماً: “ما أحب شيء إليك في هذه الحياة؟”، فأجابه الوزير بتجرد وعفوية: “قضاء الحاجة يا مولاي”. ضحك الملك، فكانت إجابةً مرت بسلام لولا أن تلاقفتها آذانُ بطانة السوء، إذ همس أحد المستشارين في أذن الملك مؤلباً: “كيف يجرؤ على الإسفاف في حضرتك؟ أليست هذه إهانة لمقامكم السامي؟”. هنا، تبدلت نظرة الملك، وتلاشت ضحكته ليحل محلها غضبٌ أعمى، فأمر بقتل وزيره الفطن، ليخسر عقلاً راجحاً بوشايةٍ عابرة.
تكشف هذه المأساة عن آفةٍ تفتك بكثيرٍ ممن يملكون ناصية القرار؛ وهي ارتهان العقل لمن حوله. فالسلطة، سواء كانت عرشاً أو إدارةً أو حتى قوامةً في منزل، كثيراً ما تقع فريسةً لمرآة الحاشية، فإن زينوا الشر رآه خيراً، وإن قبحوا الخير رآه شراً، مصداقاً لما اشار اليه الامام الشافعي رحمه الله :
وعينُ الرضا عن كلَّ عيبٍ كليلةٌ …
كما أَنّ عَينَ السُّخْطِ تُبْدي المَسَاوِيَا
وفي المشهد المقابل من التاريخ، تتجلى الحكمة السياسية في أبهى صورها عند “بلقيس” ملكة سبأ. فحين أدركت بفطنتها أن خصمها هو سليمان عليه السلام، النبي القائد الذي لا يُقهر، لجأت إلى الشورى، فجاءها رد حاشيتها مشبعاً بزهو القوة والاندفاع: {نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ}، دافعين إياها نحو خيار المواجهة والهلاك. لكن بلقيس لم “تطر بالعجة” –كما يُقال– ولم تأسرها حماسة الجموع، بل تريثت واستحضرت مآلات الأمور، فأدركت بحكمتها أن قراراً واحداً منساقاً خلف عاطفة الحاشية قد يسحق مملكتها عن بكرة أبيها، فكان خيار السلم هو طوق النجاة.
إن هذا التباين بين مصير الوزير الأركاني ومصير مملكة سبأ يضعنا أمام قاعدة ذهبية في فن إدارة الحياة: “التريث قبل الإقدام”. فالأب الحكيم في مملكته الصغيرة لا يصدر حكماً لصالح ابنه الكبير قبل أن ينصت للصغير، والمدير الناجح لا يبني قراره على ما يُنقل إليه دون تمحيص.
وهنا يأتي المنهج النبوي الشريف ليضع التاج على رأس هذه المفاهيم، مؤسساً لمبدأ “السيادة الأخلاقية” واستقلال الشخصية، حيث حذر النبي ﷺ من ذوبان الفرد في تيار المجموع قائلاً:
«لا تكونوا إمَّعة، تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا».
فالعبرة تكمن في ألا يكون المرء صدىً لأصوات الآخرين، بل صوتاً للحقيقة، وعقلاً يزن الأمور بميزان العدل لا بميزان الهوى أو الوشاية
نقطة ختام :
قد يشوهون غيرهم لا لشيء، إلا لتبقى أماكنهم آمنة. فلا تظلم أحداً بوشاية، وتأكد بنفسك قبل أن تحكم .
سعد نسيم
مقالات سابقة للكاتب