الْكَرَامَةُ الصَّامِتَةُ… حِينَ لَا نَشْكُو وَلَا نُظْهِرُ!

ليس الصمت دائماً عجزاً، ولا السكوت خلوّاً من الوجع.

أحياناً يكون الصمت أعلى درجات الكلام، حين يختار الإنسانُ أن يحتفظ بألمه لنفسه،

لا لأنَّ الحمل خفيفٌ، بل لأن الكرامةَ أثقلُ من أن تُستجدى.

هناك أناسٌ لا يعرفهم الضجيج، ولا تجذبهم مسارح الشكوى.

يتألمون… نعم.

ينكسرون أحياناً… نعم.

لكنهم لا يضعون جراحهم على قارعةِ الأسئلةِ، ولا يطلبون من العالم أن يشفقَ عليهم.

ليس تكبّراً، بل إدراكاً داخلياً بأنَّ بعض الأوجاعِ تفقد قيمتها إِنْ قِيلَت، وبأنَّ الشكوى حين تتكرر تتحوّل من حقٍّ إلى عادة.

الكرامة الصامتة لا تعني إنكار الألم، بل تعني ضبطه.

أن تعرف أنك موجوع، لكنك لا تسمح للوجع أن يعرّفك.

أن تمرّ بمرحلةٍ قاسيةٍ دون أن تُحوّلها إلى هويةٍ، ودون أن تجعل من نفسك قصة حزنٍ دائمة التداول.

ولعلّ القرآن أشار إلى هذا المعنى حين قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (يوسف: 86)

فليس في الصمت قطيعة مع الشعور، بل توجيه له؛

أن تكون الشكوى إلى من لا يُضعفك ذكره، ولا يُنقصك البوح بين يديه.

هؤلاء لا يرفعون أصواتهم، لكن آثارهم عميقة.

تراهم ثابتين من الخارج، بينما الداخل يمارس معركة كاملة مع الخسارة، والخوف، والتعب، وخيباتٍ لا تُحصى.

وحين تسأل أحدهم: كيف حالك؟ يبتسم ابتسام صادقة لا كاذبة، لأنها لا تنكر الألم، بل ترفض تسليمه للآخرين.

وقد لخّص النبي ﷺ هذا الميزان الدقيق: (وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْراً وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ( (متفق عليه)

فالصبر هنا ليس تحمّلاً أعمى، بل قوّة داخلية تُغني صاحبها عن كثيرٍ من الشكوى.

هناك ألمٌ ، خَلَّف ارتعاشةً لا تُرى، ووجع لا يُعلَن، لكنه حاضرٌ بكامل ثقله.

في زمنٍ صارت فيه الشكوى لغة، وصار البوح المفرط فضيلة، تصبح الكرامة الصامتة موقفًا أخلاقيًا.

ليست دعوة للكبت، ولا تمجيدًا للألم، بل اختياراً واعياً:

أن لا تجعل ضعفك مادة، ولا حزنك وسيلة، ولا وجعك جسراً لتعاطفٍ عابر.

الكرامة الصامتة تشبه أولئك الذين يحملون أحمالهم وحدهم، لا لأنهم لا يحتاجون أحداً، بل لأنهم يعرفون متى يُستعان، ومتى يُصان الصمت.

يعرفون أن بعض المعارك لا تُحكى، بل تُعاش… وتُتجاوز.

وهنا، لا يكون الصمت هروباً، بل وفاءً للنفس، واحتراماً للألم، وثقةً بأن ما يُحتمل بكرامة، سيزول حتما بسلام.

د. طلال بن عبدالله بن حسن بخش

باحث في المصرفية الإسلامية والتمويل

كوالالمبور – 013 رمضان 1447هـ

 

 

مقالات سابقة للكاتب

2 تعليق على “الْكَرَامَةُ الصَّامِتَةُ… حِينَ لَا نَشْكُو وَلَا نُظْهِرُ!

د/سمير خالد جوهرجي

التدرّج جميل: من تعريف الفكرة → توضيحها → تأصيلها دينياً → تعميمها اجتماعياً

أن تعرف أنك موجوع، لكنك لا تسمح للوجع أن يعرّفك.”
هذه جملة محورية ممتازة
مقال رائع وعميق ولغه سلسه وجميله

د. اسامة صالح حريري

ونظراً لقيمة الصبر وانه طاقة نادرة؛ كان جزاء الصابرين يوم القيامة أن يكون حسابهم استثنائيا بحيث يتم حساب اعمالهم بدون مفاصلة
ذلك هو قول الحق سبحانه :
إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *