وأنا الآن مسافرًا، أشعر بإرهاق غير طبيعي، وتذكرت حديث النبي ﷺ: «السفر قطعة من العذاب».
لأنك في السفر تنتقل من الروتين اليومي إلى التنقل بين البلدان. كنت في بلدك مرتبطًا بعملك أو بعائلتك، ثم تأخذ إجازة من أجل أن تُمتع ناظريك، وكما يقول بعض الناس: “أريد أن أُغيّر جوًّا”.
تحزم حقائبك، وتستعد، وتحاول أن تُنهي أشغالك قبل السفر. والكثير منا إذا أراد أن يسافر، لا يسعفه الوقت قبل انطلاقه ليشعر بالاطمئنان بأنه أنهى جميع أموره.
وإذا سافرت، فإنك تخرج بفوائد كثيرة وتجارب نافعة. وللسفر فوائد وأحكام وآداب وأخلاق. وقد قابلت بعض الناس يعشق السفر، وبمجرد أن يأخذ إجازة ينطلق في رحلته ويتمتع بها. حتى إنني قرأت مذكرات ويوميات لأشخاص يستعيدون أيام سفرهم ويتغنون بتلك اللحظات، ولا ينسون ذكريات رحلاتهم التي تظل عالقة في أذهانهم.
لا تعتقد أن السفر مجرد ترفيه، بل هو طاقة روحية لمن أراد أن يستفيد من معالم الأرض. فقد كان بعض السلف الصالح يسافرون لطلب العلم سنوات طويلة، وبعضهم سافر من أجل سماع حديث واحد.
مرةً قابلت زميلًا، وبدا من قسمات وجهه أنه مهموم. فقلت له: هل تواجه مشكلة؟ فقال: نعم، لقد حدثت بيني وبين زوجتي مشكلات كثيرة. فقلت له: ما تلك المشكلات؟ قال: عدم التفاهم بيننا. فسألته: كم لك من شهر لم تسافر أنت وزوجتك؟ قال: منذ ثلاث سنوات. فقلت له: إذًا خذ زوجتك وسافر أنت وهي أسبوعًا، وسترى كيف تتغير نفسيتها.
وبالفعل سافر، وبعد فترة رأيته فقال: لقد عادت الأمور إلى الأفضل، وصلحت الأحوال.
السفر لا شك أن له تأثيرًا إيجابيًا في الابتعاد عن الروتين اليومي، والخروج من الدوامة المعتادة.
ومرةً قابلت زميلًا متعبًا نفسيًا، فأخذته في رحلة برية. وكنت أعلم أن لديه أبناءً، ومنهمكًا في ضجيجهم وهموم الحياة اليومية. وبعد الرحلة شعر بهدوء نفسي جميل.
لا تُرهق نفسك برحلة ضخمة؛ كن بسيطًا وسهلًا، فالسفر متعة قبل أن يكون استنزافًا. وحاول أن تقتصد في كل شيء. وقبل أن تنطلق، خطط لرحلتك من لحظة مغادرتك حتى عودتك، واحرص أن تكون الوجهة واحدة حتى لا تشتت أفكارك. فبعض الأماكن تستحق زيارتها أكثر من مرة، وبعض الناس تكفيه رحلة ليوم واحد. وإن كانت الرحلة قصيرة، فخطط أن تذهب بوسيلة سريعة كالقطار أو الطائرة.
وليس شرطًا أن تطأ كل أرض، أو تسافر إلى كل بلد، أو تستنزف طاقتك، أو تنافس ابن بطوطة، وتنفق كل أموالك. وإن كنت مشغولًا في بلدك، فلا تُجبر نفسك على السفر. وكلما كانت معك رفقة في سفرك، كان أكثر متعة وفائدة.
أرجو أن أكون قد أضفت لك متعة فكرية قبل أن تسافر…
نراكم على خير.
الاثنين، 13 رمضان 1447هـ
مقالات سابقة للكاتب