من أقاصي الصحراء… إلى عمق المحيطات

من أقاصي الصحراء… إلى عمق المحيطات

ماذا نحن واجدون؟!

مقاربة نقدية في المجموعة القصصية (خدش الأرواح) للقاصة الأديبة (رفعة محمد).

(1) وعبدالرحمن الدرعان قاص/ سارد/ يتكئ على تجربة إبداعية لافتة ومثيرة، بل استثنائية، فقد جمع بين الإبداع القصصي والعمل الثقافي والتربوي.. يكتب بلغة صافية كصفاء روحه وعذبة كعذوبة نص شعري حديث قديم!!

التقيته في محاريب الأدب والثقافة قديماً.. وأحمل له كل حب وتقدير ومقروئية، واليوم ألتقيه ناقداً حاذقاً، وقارئاً نصوصياً، وكاتب رأي يُقدِّم به المجموعة القصصية (خدش الأرواح) للقاصة/ الساردة رفعة محمد.

حقيقة لم أقرأ تقديماً أو تقريظاً يشبه ما كتبه في صدر صفحات المجموعة.. بل قرأت مقاربة جمالية تستكنه النصوص القصصية، وتقول من (جوامع الكلم) ما لا يقوله كبار النقاد وكتاب المقدمات. لَكَ التحية أخي عبدالرحمن الدرعان/ القاص والأديب والمهموم بالشأن الثقافي إدارة وعطاءً وإنتاجاً!! ولَكِ التحية أختي (رفعة) على إقناع هذا الكاتب الأديب بالتعالق الثقافي مع إنجازك وبوحك، والتثاقف الواعي مع نصوصك، وسيتعب من يجيء بعده في تناول (خدش الأرواح) ونصوصها القصصية بقراءة نقدية… أو مقاربة تأويلية أو مثاقفة نصوصية. ورغم ذلك سأحاول!!

* * *

(2) تأخذنا (رفعة محمد) في حكايات ونصوص طويلة (نوعاً ما) رغم أن المؤلفة تؤكد أنها قصص قصيرة، حكايات تأخذ موضوعاتها من الحياة والمجتمع الإنساني.. حكايات دوزنتها وشكَّلتها في خيالها فجعلت منها “مارداً حملني إلى أقاصي الصحراء وتجول بي فوق المحيطات” كما تقول ص13!!

إذن نحن القراء أمام خيال يصنع لنا من الحكايات ما يشبه مردة الجان الذين حملوا عرش (بلقيس) من اليمن/ سبأ إلى الشام حيث نبي الله (سليمان).. فها نحن محمولون إلى أقاصي الصحراء.. وفوق المحيطات.. فماذا نحن واجدون؟!

وجدنا (رفعة محمد) تنقلنا عبر نصوصها السردية إلى عوالم قروية تذكرني بما كتبته عن (النَّص القروي).. فهذا الجدُّ عبدالحميد الذي يسكن القرية (التي لم نجد لها إسسماً ولا مكاناً) ولكنها تصف قائلة: “مناطق رملية قاحلة، يشق جوفها طريق ضيق عبدت أجزاء منه ولكن لايلبث الإسفلت أن ينقطع فنسير مسافات طويلة على طريق غير معبَّد” ص19 قصة عصا جدي عبدالحميد.

ثم تصف جمال القرية: “على مشارف القرية توقَّفت قليلاً ونظرنا إليها، أي جمال هذا؟ لقد فاقت جمال الأنوار الملونة.. كانت الشمس تشرق في هدوء فتبدي وجهها من خلف الجبال التي أحاطت بالبيوت فتبدد الظلمة….” ص22.

القرية هنا – في هذه القصة – تتأطر في ذهن البطل السارد ابن المدينة كثنائية لافتة ومتمردة على التشخيص.. القرية هنا مكان هلامي.. ذاكرة استرجاعية لا هوية ولا حدود ولامسميات.. ولكنها تأتي للقارئ من خلال جماليات الوصف واللغة الشاعرية..

ومقابل (القرية) وثيماتها النصوصية، نجد (المدينة) وأجواءها وفعالياتها وشخوصها في قصة أخرى حيث سوق الخضار والعامل الآسيوي، والسيارة الفارهة، والسيدة الثرية، والحواري والمجمعات السكنية والمستشفى العام!!

وكل ذلك في قصة بعنوان (مكلومة في سوق الخضرة) ص ص65-80.. و(المدينة) في هذا النص مثل (القرية) في النص السابق لا هوية ولا اسم ولا تحديد، فقط إشارات ودلالات توحي بأن المكان/ مدينة ما.

إن ثنائية (القرية/ المدينة) في النَّص السردي الذي أبدعته (رفعة محمد) في مجموعتها (خدش الأرواح)… يعني أننا بإزاء فضائين مكانيين، ونظامين ثثافيين متقابلين ومتداخلين ورمزيين لتحول القيم والبنى الاجتماعية.

على أن أبرز الدلالات هي الثبات والتحول، الأصالة والتحديث، والجذور والتنامي والتطوير، وهذا يؤدي بأبطال القصة/ النصوص والسارد/ الراوي العليم إلى التَّنقُّل بين صراعات الواقع والذاكرة، التصدع والالتئام، الماضي المثالي والحاضر القلق.

* * *

(3) ومن جماليات هذه الثنائية (القرية/ المدينة) عند القاصة (رفعة محمد) تلك الجمل والعبارات الواصفة التي تصور الوقائع والأحداث في سلسلة طويلة من الوصوفات المشهدية والتلفازية وكأنها تصور لنا واقع الموصوف وتقربه إلى الأذهان القارئة!!

خذ هذا الأنموذج وهي تصف سيدة في عيادة نفسية.. تقول: “أشارت بيدها إلى الحاسب أمام الدكتور وانحسر كمُّ العباءة عن يدٍ بضَّةٍ تنتهي بأظافر مقصوصة بعناية، بينما زُيِّن معصمها بأساور ذهبية وسمت برموز الماركات العالمية” ص99.

وأقرأ هذا الوصف عن مكان تقول فيه: “أشار الرجل إلى مجموعة من البيوت الشعبية التي تلاصقت في حالة التهالك والقدم، تسند بعضها حتى لا تسقط، بعضها بلا نوافذ أو أبواب وقد أسدل ساكنوها الشراشف على النوافذ، بينما بقيت بعضها مشرعة الأبواب كأفواه جائعة تنفث رائحة نتنة ولا تتردد في ابتلاغ أي شيء….” ص61.

وهنا يلحظ القارئ/ الناقد أن القاصة تجتهد في تقريب الموصوف وإيضاح تفاصيله مما يؤدي إلى شيء من الترهل النصوصي والزيادة المبالغ فيها!! وكان الأجمل التكثيف والاختصار فجمال الوصف والتصوير في الفن السردي هو الإيجاز والتكثيف.

وقد أشار الأديب عبدالرحمن الدرعان في تقديمه إلى شيء من هذا عندما ذكر أن بعض القصص تغرق في الكشف والإيضاح إلى درجة أن يتحول القالب السردي إلى وعاء للواقع وصورة عنه وقد يحول بين القارئ والنص وينتج عن ذلك التفكك في الحبكة السردية.. وهذا يفقد القصة أهم ما يميزها وهو التكثيف..!! ص10.

ومع هذه الملحوظة النقدية، فإن جملة المعطيات السردية التي تقدمها (رفعة محمد) في مجموعتها القصصية توحي بقلم نسائي قادر على اختراق المألوف وتجاوزه نحو عوالم وفضاءات النصوص الحياتية والمجتمعية في لغة انسيابية، وقدرة مفاهيمية توازن بين ماهو واقعي، وبين ما هو كتابة وإبداع وخلق واقع موازٍ أو منتظر ومأمول.

* * *

(4) وأخيراً فإن المجموعة القصصية الموسومة بـ (خدش الأرواح) للقاصة والأديبة الأستاذة رفعة محمد والصادرة عام 1445هـ/2024مـ عن دار يسطرون بجدة.. والتي جاءت في (ست) قصص طويلة، مع أنها تذكر في صفحة العنوان أنها (قصص قصيرة) ، تحمل من جماليات العنونة أو العتبات الموازية ما يجعلها سريعة الوصول إلى عقل القارئ/ والناقد وهي التي تتراوح بين الجمل/ العناوين الثلاثية، والجمل/ العناوين الثنائية كما يلي:

                  الثلاثية الثنائية

           عصا جدي عبدالحميد وردي وأخضر

            زواج في زمن كورونا ابنة المدينة

         مكلومة في سوق الخضار وسواس اختياري

وهذه التقنية الأسلوبية في اختيار وتشكيل العناوين حسب هذه الطريقة، لها دلالاتها وإيحاءاتها فمن التكيف والتركيز، ومن الإيجاز والاختصار، ومن التوسع والتجديد، ومن الإيقاع الصوتي، ومن الرمزي والتوصيفي، ومن الغموض والوضوح/ التجلي، ومن التقريري والدلالي!!

كل هذه تعطينا مؤشراً على أن العناوين عند الكاتبة (رفعة محمد) ليست بناءً عددياً فقط ولكنه هندسة دلالية، ولها إيحاءاتها المتشظية داخل النَّص القصصي.

وهذا يدل على الإمكانات الأسلوبية والأدبية والثقافية التي تتجمل بها الكاتبة والقاصة والأديبة الأستاذة (رفعة محمد) ويتضح أثرها فيما تقدم للمشهد الثقافي من إنجازات سردية ثرية وناضجة تسهم في نشر الثقافة النسائية في بلادنا السعودية.

والحمد لله رب العالمين.

د. يوسف حسن العارف

جدة: من ظهيرة الاثنين 6/9/1447 هـ 

إلى مساء الثلاثاء 7/9/1447 هـ 

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *