في أوقات الحروب، تتسارع الأحداث وتزداد وتيرة الأخبار، وتتجه أنظار المواطنين إلى كل مستجد بحثاً عن الطمأنينة وفهم الصورة الكاملة. وفي مثل هذه الظروف الاستثنائية، تصبح الكلمة أمانة، والمعلومة مسؤولية، والسلوك الفردي جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن الوطني. ومن هنا، فإن الوعي الهادئ والمتزن يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة أي أزمة، إلى جانب الجهود التي تبذلها الدولة بمؤسساتها كافة لحماية الوطن وصون مكتسباته.
إن المرحلة الراهنة تتطلب من الجميع التحلي بأعلى درجات الانضباط المعلوماتي، والحرص على تلقي الأخبار من مصادرها الرسمية المعتمدة فقط. فالمؤسسات الوطنية المعنية تباشر مهامها وفق خطط دقيقة، وتعمل على إطلاع الرأي العام بكل ما يستجد بشفافية ومسؤولية، وفق ما تقتضيه المصلحة العامة ومتطلبات الأمن الوطني. وأي تداول لمعلومات غير مؤكدة، أو إعادة نشر لمحتوى مجهول المصدر، قد يسهم من حيث لا يدري صاحبه في إرباك المشهد أو بث القلق بين أفراد المجتمع.
لقد أثبتت التجارب أن الشائعات في أوقات الأزمات لا تقل خطراً عن الأحداث ذاتها، إذ تنتشر بسرعة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتستغل حالة الترقب والقلق لتعزيز سرديات غير دقيقة أو مضللة. ومن هنا تبرز أهمية التثبت قبل النشر، والتفكير في تبعات الكلمة والصورة، والتساؤل دوماً: هل هذه المعلومة صادرة عن جهة رسمية؟ وهل يخدم نشرها المصلحة العامة أم يفتح باباً للتأويل والبلبلة؟
وفي السياق ذاته، يكتسب الامتناع عن تصوير أو مشاركة صور المواقع المتضررة أهمية خاصة. فمثل هذه الصور، وإن بدت للبعض توثيقاً عفوياً للحظة، قد تحمل في طياتها معلومات حساسة تتعلق بالمواقع أو حجم الأضرار أو طبيعة الاستجابة، وهي معطيات قد تُستغل نفسياً أو استراتيجياً من قبل الأطراف المعادية. إن حماية الوطن لا تقتصر على الجبهات الميدانية فحسب، بل تمتد إلى الفضاء الرقمي، حيث يصبح كل مستخدم مسؤولاً عن المحتوى الذي ينشره أو يعيد تداوله.
وإلى جانب البعد الأمني، هناك بعد إنساني ونفسي لا يقل أهمية. فالإفراط في متابعة الأخبار المتعلقة بالحرب، خاصة عبر مصادر متعددة ومتلاحقة، قد يؤدي إلى إرهاق نفسي وتوتر دائم، ويؤثر في التركيز واتخاذ القرار وحتى في جودة الحياة اليومية. الدراسات النفسية تشير إلى أن التعرض المستمر للمشاهد العنيفة أو الأخبار السلبية يفعّل استجابات القلق والخوف في الدماغ، ويُبقي الإنسان في حالة استنفار ذهني طويل الأمد، وهو ما قد ينعكس على الصحة العامة والعلاقات الأسرية والعملية.
من هنا، فإن الوعي لا يعني الانقطاع عن متابعة المستجدات، بل يعني تلقيها بقدر مناسب، وفي أوقات محددة، ومن مصادر موثوقة، دون انغماس عاطفي مفرط أو استهلاك مستمر يفوق الحاجة. إن تنظيم الوقت المخصص للاطلاع على الأخبار، والابتعاد عن متابعة الشائعات أو المقاطع غير المؤكدة، وممارسة الأنشطة اليومية بشكل طبيعي قدر الإمكان، كلها خطوات تسهم في تعزيز التوازن النفسي والحفاظ على صفاء الذهن.
كما أن دور الأسرة في هذه المرحلة بالغ الأهمية، لا سيما في ما يتعلق بالأطفال والناشئة. فحمايتهم من التعرض المفرط لمشاهد أو أخبار قد لا تتناسب مع أعمارهم، وشرح المستجدات لهم بلغة مطمئنة ومدروسة، يعزز لديهم الشعور بالأمان والثقة، ويجنبهم آثار القلق غير المبرر. إن الطمأنينة تنتقل بين أفراد الأسرة كما ينتقل القلق، واختيارنا للكلمات ونبرة الحديث يترك أثراً عميقاً في نفوس من حولنا.
وفي المقابل، تواصل الدولة، بقيادتها ومؤسساتها، أداء واجباتها بكل كفاءة واقتدار، مستندة إلى خبرات تراكمية وخطط استراتيجية مدروسة. وتبقى الثقة في هذه المؤسسات ركيزة أساسية للاستقرار المجتمعي. فالتلاحم بين القيادة والشعب، والالتفاف حول التوجيهات الرسمية، يعززان مناعة الوطن في مواجهة التحديات، ويبعثان برسالة واضحة مفادها أن وحدة الصف أقوى من أي ظرف عابر.
إن المرحلة تتطلب وعياً جماعياً يوازن بين الاطلاع والمسؤولية، وبين الحرص على المعرفة والحفاظ على المصلحة الوطنية. فكل كلمة تُنشر، وكل صورة تُشارك، وكل تعليق يُكتب، إما أن يكون لبنة في جدار التماسك الوطني، أو ثغرة غير مقصودة يمكن أن تُستغل. والاختيار في ذلك بيد كل فرد.
وفي خضم الأحداث، يبقى الأمل والثقة ركيزتين لا غنى عنهما. فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تتحلى بالصبر والانضباط والوعي، قادرة على تجاوز المحن وتحويل التحديات إلى فرص لتعزيز وحدتها وصلابتها. إن مسؤوليتنا اليوم ليست فقط في متابعة ما يحدث، بل في كيفية تفاعلنا معه، وفي قدرتنا على أن نكون جزءاً من الحل لا سبباً في تعقيد المشهد.
ختاماً، فإن الهدوء ليس ضعفاً، والتثبت ليس تردداً، والالتزام بالتوجيهات الرسمية ليس خياراً ثانوياً، بل هو سلوك وطني واعٍ يعكس عمق الانتماء وصدق الولاء. فلنكن جميعاً على قدر هذه المسؤولية، ولنجعل من وعينا سداً منيعاً أمام الشائعات، ومن وحدتنا درعاً يحمي وطننا، ومن ثقتنا بمؤسساتنا جسراً نعبر به هذه المرحلة بثبات واطمئنان. فالوطن أمانة، وصونه يبدأ من كلمة مسؤولة وموقف واعٍ.
مشاري الرحيلي
مقالات سابقة للكاتب