تُعَدُّ ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان من أعظم ليالي العام عند المسلمين؛ إذ هي من أرجى الليالي أن تكون ليلة القدر التي قال الله تعالى فيها: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.
وقد دلَّت النصوص على تحرِّي ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، وقد رجَّح طائفة من أهل العلم كونها ليلة السابع والعشرين، ومنهم الصحابي الجليل أبي بن كعب رضي الله عنه، كما ثبت في صحيح مسلم أنه كان يحلف على ذلك لما ظهر له من القرائن والدلائل.
ولهذا ترى المسلمين في هذه الليلة يقصدون المسجد الحرام أفواجًا من كل حدب وصوب، رجاء إدراك فضلها ونيل بركتها.
أولًا: توافد الجموع قبل غروب الشمس
من المشاهد اللافتة في هذه الليلة المباركة أن الجماهير المليونية تبدأ التوافد إلى المسجد الحرام منذ ساعات العصر، بل قبل ذلك؛ رغبةً في الظفر بمكان للصلاة.
ولا يلبث المكان أن يمتلئ شيئًا فشيئًا حتى تغصّ أروقة المسجد وساحاته وتوسعاته بالمصلين، وتمتد الصفوف إلى الطرقات المحيطة بالحرم من كل جهة.
فتُرى صفوف الصلاة متصلة لمسافات بعيدة، في مشهد مهيب يعكس عظمة هذا البيت الذي جعله الله مثابةً للناس وأمنًا.
ثانيًا: تنوّع القادمين إلى بيت الله
ومن أروع ما يُشاهَد في تلك الليلة المباركة تنوع المسلمين القادمين إلى الحرم:
• عربًا وعجمًا
• كبارًا وصغارًا
• رجالًا ونساءً
• أصحاء ومرضى
بل ترى من أصحاب الهمم العالية من ذوي الإعاقات من يأتي بكرسي متحرك أو بعكاز، متحديًا مشقة الطريق والزحام، طمعًا فيما عند الله من الأجر والثواب في هذه الليلة المباركة.
وهذا التنوع البشري الكبير يذكِّر بمعنى الأخوة الجامعة التي يجتمع فيها المسلمون على قبلة واحدة وغاية واحدة.
ثالثًا: تنوع العبادات في الحرم
ولا يقف المشهد عند مجرد الاجتماع، بل يتجلى فيه تنوع العبادات والطاعات في أرجاء الحرم:
• فمنهم المعتمر الذي يطوف بالبيت العتيق.
• ومنهم المصلّي الذي ينتظر الصلاة أو يقوم الليل.
• ومنهم تالٍ للقرآن يختم أو يراجع ورده.
• ومنهم ذاكر لله يلهج لسانه بالتسبيح والتحميد.
• ومنهم رافع يديه بالدعاء يرجو مغفرة الله ورحمته.
كما يبرز في هذه الليالي مشهد عباد الحرم الذين عمروا بيت الله بالذكر والقيام، وتظهر كذلك جملة من المعتكفين الذين اختاروا ملازمة الحرم في هذه العشر المباركة، متجردين من شواغل الدنيا، مقبلين بقلوبهم على الله تعالى.
فترى صفوفهم في أركان المسجد وأروقته، ما بين قارئٍ لكتاب الله، أو قائمٍ بين يدي ربه، أو متضرعٍ بالدعاء، في صورة من أعظم صور العبودية والإقبال على الله.
رابعًا: الطواف بالبيت الحرام
ومن المشاهد المهيبة في هذه الليلة حركة الطائفين حول الكعبة المشرفة؛ حيث لا يكاد المطاف يهدأ، بل ترى أمواجًا بشرية متتابعة تطوف بالبيت العتيق، في مشهد يأسر القلوب ويجسد معنى العبودية الخالصة لله تعالى.
خامسًا: التنافس في إطعام الصائمين
ومن المشاهد المؤثرة كذلك التسابق في إطعام الصائمين وخدمة قاصدي بيت الله.
فترى المتطوعين وأهل الخير يوزعون وجبات الإفطار وماء زمزم في أرجاء المسجد وساحاته، في صورة مبهجة من صور البذل والإحسان.
بل إن رجال الأمن – مع أن مهمتهم الأساسية تنظيم الحركة وحفظ الأمن – يشاركون في هذا الخير بما يستطيعون، فيقدمون التمر أو الماء للصائمين، في مشهد يجمع بين أداء الواجب وروح العطاء.
سادسًا: حلقات العلم والفتوى في المسجد الحرام
ومن المشاهد المباركة في هذه الليالي حلقات العلم في المسجد الحرام؛ حيث يجلس بعض العلماء وطلبة العلم لتعليم الناس وإرشادهم، امتدادًا للدور العلمي العريق لهذا المسجد المبارك عبر القرون.
كما تنتشر مكاتب الإجابة عن أسئلة السائلين في أرجاء الحرم، حيث يتولى عدد من أهل العلم وطلبته الإجابة عن أسئلة المعتمرين والمصلين والمعتكفين، في مسائل العبادات والنسك وسائر ما يحتاج إليه الناس، وذلك على مدار الساعة في ليالي الشهر الكريم.
وهذه الجهود العلمية تمثل خدمة جليلة لقاصدي البيت الحرام، تعينهم على أداء عباداتهم على بصيرة وطمأنينة.
سابعًا: جهود الدولة في خدمة الحرمين
ومن نعم الله العظيمة أن شرَّف هذا البلد المبارك بخدمة الحرمين الشريفين؛ حيث تبذل حكومة المملكة العربية السعودية جهودًا كبيرة في رعاية الحرمين وقاصديهما.
فتُسخَّر الإمكانات البشرية والتنظيمية والخدمية كافة لتنظيم الحشود، وتيسير الحركة، وتوفير الأمن والطمأنينة، حتى يؤدي المعتمرون والمصلون عباداتهم في راحة وسكينة.
ويعمل في ذلك آلاف من رجال الأمن والكوادر الخدمية بروح الفريق الواحد، في صورة مشرقة من صور الخدمة المباركة لبيت الله الحرام وزواره.
وفي الختام إنها ليلة عظيمة تتجلى فيها عظمة الإسلام ووحدة الأمة وروح التراحم بين المسلمين.
وفي هذا المشهد المهيب يدرك المسلم أن الخير باقٍ في أمة محمد ﷺ إلى قيام الساعة، وأن هذه الأمة – على اختلاف ألسنتها وألوانها – ما زالت تجتمع على طاعة الله وتعظيم شعائره.
أ.د. مشعل بن حميد اللهيبي
جامعة أم القرى
٢٧ رمضان ١٤٤٧هـ
مقالات سابقة للكاتب