عيد القرية: أهازيج الرصاص وحنين المقطار

(المقطار المعاصر.. عودة الروح للخرسانة)
في زمن صخب المدن وتسارع الحياة، استيقظ في نفوس الأحفاد حنينٌ جارف لزمن البساطة؛ فأصبحنا نرى أهالي المدن اليوم يشدون الرحال مع إشراقة كل عيد، يغادرون جدران الأسمنت الصماء ليعودوا إلى قراهم. هناك، حيث بيوت “البلوك” والخرسانة المسقوفة بالخشب، التي شيدها الآباء لتكون اليوم هي “المقطار” الحديث؛ يجتمع فيها الشمل، وتُفتح أبوابها الموصدة لتضج بالحياة من جديد، في مشهدٍ يجسد محاكاة وفاءٍ لمقطار الأجداد القديم، واستعادةً لجذورٍ لم تزدها السنون إلا رسوخاً.

(العشوة.. ميثاق اللقاء وبرلمان الألفة)
قبيل أن يصدح صوت المؤذن معلناً قدوم العيد بأيام، كانت القرى والبوادي تضج بحراكٍ استثنائي. يجتمع الأعيان والأهالي في وليمة عشاء مهيبة تُعرف بـ “العشوة”؛ لم تكن مجرد مأدبة طعام، بل كانت “برلمان الألفة” الذي يُحدد فيه “الميعاد” أو “جناب العيد”. هناك، تُقطع الوعود باللقاء، ويُرسم مخطط الفرح في بقعة يجتمع فيها الشمل وتتوحد القلوب.

(مقطار العيد.. تلاحم الخيام في حضن البادية)
ما إن يُحدد المكان حتى يشد سكان البادية رحالهم، وتتسابق الركائب نحو “جناب العيد”. هناك، تضرب أوتاد بيوت الشعر وتتجاور الخيام في مشهد بصري بديع يُسمى “مقطار العيد”. في هذا المقطار، تذوب المسافات ويصبح الجار عضيداً لجاره، في لوحة اجتماعية حية تظهر أسمى معاني الانتماء.

(دق البارود.. موسيقى الاستعداد ورنين النجر)
ومع اقتراب ساعة الصفر، تبدأ موسيقى من نوع خاص في أزقة القرية؛ إنه رنين النجر وأصوات “الدق”. ينهمك كبار السن بخبرتهم العتيقة في صناعة البارود المخصص لاستعراضات “التعشير”. وبأيدٍ خبيرة، يمزجون مادة “الملح” بـ “الخفان” (فحم شجر العشر)، ويدقونها بدقة متناهية حتى تستحيل مسحوقاً جاهزاً لإطلاق شرارة البهجة.

(بطن الوادي.. بزوغ الفجر وصلاة النقاء)
ومع بزوغ فجر العيد، يهرع الجميع نحو مصلى العيد الرابض في بطن الوادي بين النخيل والجبال. هناك يختلط بياض الملابس بنقاء القلوب، وتتمازج الذوات مع الأرواح في مشهدٍ مهيب. وبعد انقضاء الصلاة، تعود الجموع إلى البيوت لتقام وليمة الصباح (الفطرة)؛ وهي مائدة عامرة بالرز الأبيض الممزوج باللبن والعدس، يتوسطها وعاء سمن الغنم واللبن المسمى بـ “الغرسه”، وقد يُقدم معها “المرقوق” أو خبز الدخن بالسمن (الفتة). وفي غمرة هذه الأفراح، تتنافس نساء القرية في إعداد “الفطرة” التي يتذوقها الجميع في كل بيت، قبل التوجه إلى المقر الرئيسي (المعياد) لاستقبال المهنئين.

(أهازيج الرصاص.. رقصة الضوء وصناعة “البواردي”)
حين يشرق شبا العيد، تتحول تلك الذخائر التقليدية إلى استعراضات فلكلورية تخطف الأنفاس. ينطلق الشباب في الميادين ببنادق “المقمع”، يقفزون في الهواء معانقين السحاب، لتخرج من تحت أقدامهم سحب الدخان الأبيض وأصوات الرصاص التي لا تُخيف أحداً. وبعد صلاة عصر كل يوم، يقام سباق للرماية يتنافس فيه الشباب على إصابة الأهداف التي تسمى (الشارة) أو (الشاح). ولم تكن هذه السباقات تقتصر على الكبار، بل يُشرك فيها الأطفال الموهوبون لصقل مهاراتهم، ليبرز من بينهم من يُلقب بـ “البواردي”.

(ليالي السمر.. “الزومال” ولعبة الدارة)

وفي ليالي العيد، تصدح الحناجر بأهازيج الشعر وفنون المحاورة. وقديماً، كانت النساء يشاركن في هذه الأهازيج فيما يُعرف بلعب (الخليطي)، حيث يُردد شعر “المجالسي” و”المجارير”، وتُقام “لعبة الدارة” ببنادق المقمع والسيوف في جو يسوده الصفاء. كما يتبادل أهل القرى والقبائل الزيارات، وغالباً ما ينظمون لوناً شعرياً يُسمى (الزومال) أو (الحداية)، يُلقى بلحن جماعي شجي، ويحمل في طياته مساعي الصلح أو الألغاز، مرددين تبركاً:
عسى حاضر الملك وإبليس غايب .. وإبليس مدفونٍ تحت النصايب

(شقاوة الصغار.. “طراطيع أم عصفور” وشرر “الصريف”)

بينما يدوّي رصاص الكبار، يشرع الصغار في إطلاق ألعابهم النارية المتواضعة التي كانوا يطلقون عليها مسمى “الطراطيع”، ومن أشهرها “طراطيع أم عصفور” و “الصواريخ” و “نجوم الليل”. أما من لم يظفر بها، فكان يستعيض عنها بإشعال النار في “صريف النخل”، ثم يهرع في الطرقات ليتطاير الشرر خلفه كالشُهب، صانعاً من اللاشيء فرحةً تملأ المدى.

(كنوز المدينة.. هدايا “الغريب” والتميز المنشود)

لقد كان أطفال القرية يرقبون بلهفة الأيام التي تسبق العيد، انتظاراً لركب الأهل والأقارب القادمين من صخب المدن؛ أولئك الذين يحملون في جعبتهم هدايا وملابس غريبة وآسرة بجمالها. يبالغ الصغار في صيانة تلك الملابس والتمسك بها، حيث كان الطفل “التعيس” هو من لم يظفر بهدية تمنحه شعور التميز والتحضر أمام أقرانه.

(خاتمة: بوح الذاكرة الوفية)
هذا بوحٌ قليل من كثير عن عيد القرية، حين كانت الحياة بسيطة، بعيدة عن بهرجة الرسميات وتعقيدات التمدن و”رزّة البشوت”. ومع ذلك، ظل للعيد طعمٌ آخر في القرية، لا يزال يتذوقه الرجال الأوفياء والبسطاء، بعبيرٍ يفوح في ذاكرة طفولتهم حتى اليوم.
وفي الختام، أقول لكم:
عسى عيدكم يا هل العيد عايد تعيدون للعيد وتعيدونه
تمر السنة ولا فقدتوا فقايد
ولا منكم اللي هله يفقدونه

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *