🖋️ سأل سائل: كيف أستغل وقتي في ظل الطوفان الشبكي والهدر المعلوماتي؟
الجواب باختصار: انخرط في مشروع!
هذه ليست فكرة كَمَاليَّة ترفيَّة، بل هي آخر طوق نجاة وجودي في زمن السيولة المعرفية الجارفة!
حينما لا تنخرط في مشروع نابع من ذاتك، واضح المعالم، معلوم النهاية ولو تقديرًا فأنت هدف لكل المشاريع الأخرى، سيغدو بناؤك المعرفي مهلهلا دون أثر وإنتاج، فلا يمكن أن تكون المعارف منتجة ما لم تكن تراكمية، وهذا التراكم يستحيل لمن لم ينظم اطلاعه وفق مشروع مرتب!
حينما لا تنتظم في مشروع، فكل العلوم موضع احتمال وإغراء وإغواء، لا فرق بين علم النحو وعلم الاجتماع! وكل المسائل الفقهية على درجة واحدة من الأهمية، لا فرق بين حكم صدقة الفطر نقودًا وبين حكم صلاة الجماعة! وكل مسألة حديثية قابلة لأن تكون موضع نظر واستقصاء، لا فرق بين مسألة تحرير مصطلح الحسن، وبين مسألة شرط البخاري!
وإذا دخلت مكتبةً فكل الكتب تلوّح لك بذراعيها ولا تملك أنت حق الإعراض عنها، لا فرقَ بين تفسير الكشاف وشرح ابن عقيل! وهكذا فالانخراط في مشروع منظم فكرة ضرورية لا يمكن أن تدور عجلة الإنجاز مع كثرة الخيارات المعرفية المتاحة بدونها!
حينما لا ترتبط في مشروع فكل نقاش علمي يحتدم بين اثنين من شأنه أن يغير قائمة المقروءات، كل بودكاست من شأنه أن يوجه الاهتمامات، كل خوارزميات المواقع التواصلية من شأنها أن تزيف التصورات، كل مشهور خامل الذهن قليل الفقه محترف التصوير جريء الإطلاقات من شأنه أن يعرقل الخطوات، ويغير الاتجاهات، ويبدِّد الطاقات!
وحدُّ المشروع عندي هو الاطلاع المعرفي المنظم، وشَرْطُهُ ما ينبع من ذاتك، وما تختاره لنفسك، وما ترسمه بوعيٍ تام، لا ما تفرضه عليك السيولة المعرفية فرضًا وهي تعبث بأمواجها العاتية بمركبك الصغير!
من حدَّد عدد الصفحات القرآنية اليومية لمعرفة قدر الختمات الدورية فقد انتظم في مشروع، من وضع لنفسه متنًا يتحفظه معلوم المقدار اليومي، محدَّد البداية، مقدَّر النهاية، فقد انخرط في مشروع، من وضع خطة بحثية ثم رتب ساعات الاطلاع والكتابة اليومية فقد سلك نفسه في مشروع، من شرع في تخريج أحاديث كتابٍ ما وفق ساعات محددة، من التزم بمدة زمنية يومية لتحضير الدروس، من حدد ما يحفظه من الجُمَل والكلمات من لغة أخرى، من جعل لنفسه وِردًا لِما يجرده من الصفحات في محيط اهتمامه المعرفي، كل هذه وغيرها أمثلة لمشاريع، وهي بمثابة أطواق نجاة ضرورية في زمن السيولة المعرفية!
ليس معنى ذلك الانعزال التام عن الطوفان المعرفي، فهذا المسلك ضربٌ من الاستحالة، إنما المراد تقليص آثارِهِ وتقليل أوزارِهِ، فالانخراط في مشروع أو مشاريع ثابتة ضمانٌ وأمان؛ ضمان لرأس المال وأمان من الفوضى! وإننا حينما لا نملك البوصلة فالاتجاهات كلها صالحة!
د. سليمان بن ناصر العبودي
مقالات سابقة للكاتب