قراءة في الذاكرة
بعض الأماكن كالأشخاص، تقيم معك علاقة نسب؛ كأنما هي ضمن عائلتك. تبقى حاضرة وقريبة منك، تقاسمك ميراثها من التاريخ، واشتباكها مع الحاضر، وأحلام مستقبلها. والغالب في هذه الأماكن قوة استدعاء الزمن من قبضة النسيان؛ وهو أمر شائع في التجربة الإنسانية. فقد تنسى (غاليك) في خضم انشغالاتك، وحروبك مع البقاء، وعجزك عن الاختيار في زحمة الأولويات.
وما كنت أنوي الكتابة عن غران، لأنني أعي صعوبة الكتابة عن (خليص الإدارية)، فحصرت مشروعي بين قوسين: (خليص الجغرافية)، لأنني أمسك ببعض حروف الكتابة في هذه السردية. وتأتي صعوبة الكتابة التاريخية في أنها دخيلة على المستقر من حركة التاريخ؛ ورغم أنها أصبحت علمًا له مناهجه وآلياته، إلا أنه من غير الممكن أو المحتمل أن تنفك عن أيديولوجيا المؤرخ، بل إنها ازدادت تشبثًا مع توالد الرؤى وتداخل العلوم. وهذا النوع من الكتابة مفتوح لمساقات الجرح والتعديل لضعف المناعة فيه؛ فهو لا يعبر عن رأي شخصي مستقل، ولا يلزم منتجه المتلقي بالاتفاق معه أو الاختلاف عنه.
(انظر كتابي: رجال وضوامر، جدة – كنوز المعرفة، ط (1441هـ – 2020م)، ص 45-55).
كلما مررت على (غران)، تتداعى إلى خاطري اشتهاءات الوقوف، كشعراء المعلقات كلما مروا بمنزل معشوقة، أو قبر فارس، أو أطلال تعاند التاريخ. وغران في الواجهة؛ على تقاطع الطريق للمسافر، سواء إلى خليص وقديد، أو أم الجرم والبرزة، أو الخوار والكامل.
وغران في الواجهة من التاريخ أيضًا؛ فقد ذكر ابن إسحاق أن النبي مرّ بغران. وإن كان وصف ابن إسحاق عابرًا وموجزًا لا يحمل تفصيلًا، فلأن غران ليس موقع حدث، بل نقطة عبور في جغرافية السيرة.
وغران عالقة بالسيرة الشخصية؛ فجدتي لأبي (ناعمة)، أخت ماضي بن نفاع الصحفي، وهو من القامات المعروفة في الكيانات القبلية بالمنطقة. واختار خالي (محيي الدين) غران، وعاش بين الصحاف محل تكريم وتقدير، ينزلونه في صدر مجالسهم، حتى وفاته – رحمه الله. وقبل ذلك استوطن غران الجد الجامع والمؤسس (محيي الدين الشيخ)، وكرّمه الصحاف حيًا وميتًا، وأنزلوه منازل الصديقين.
ومن الملاحظ أن غالب المقامات الرفيعة من الشيوخ – عقيليون ومصابيح – عاشوا بعض حياتهم في غران. وعلى سبيل التكملة لما ذكرنا: جدي عبدالصمد، وخوالي، وأبي.
وإذا كنا لم نتقصَّ حتى الآن عن البيئة (الجغرافية والسكانية) التي استقطبت هذه الشخصيات، فإنه يمكننا أن نقيس الحكم من الحاضر على الماضي. وأول ما يلفت انتباهنا: السلم الأهلي، وخاصية التسامح والعيش المشترك، ومعطيات الاستثمار، والرؤى المستقبلية، وعدم الارتهان للنمط العشائري والمناكفات القبلية.
كان الصحاف يفتحون قلوبهم قبل أبوابهم، ويتركون للزمن أن يفعل فعله في تثبيت الانتماء. إنها غران تعيش حالة من التحضر ليست دخيلة، بل هي امتداد لمرحلة تاريخية، ومنظومة من السلوك والوعي والتفكير بعقلية النخبة.
ولا يزال التداخل بين الصحاف والمجتمعات الأخرى في كل من خليص وأم الجرم يعطيك انطباعًا عن أفضليتهم وبراعتهم في التشارك. جاوروا فصاروا جيرانًا، ثم صاهروا فصاروا أهلًا، ثم شاركوا في الأفراح والأتراح؛ حتى لم يعد أحد يسأل: من أين جاؤوا؟ كأنما كل الأرض لهم!
إن الحكايات في غران لا تُقاس بأصل البدايات، بل بخواتيم العِشرة!
محمد علي الشيخ
مقالات سابقة للكاتب