أنا صديق نفسي!!

في لحظةٍ ما من العمر يكتشف الإنسان حقيقةً صادمة
ليس كل من اقترب صديقًا، وليس كل ابتسامة صدقًا
وليس كل حضورٍ أمانًا.

تتكرر خيبات الأمل حتى يصبح القلب أكثر وعيًا من أن يُخدع مرة أخرى.
فنكتشف أن الألم لم يكن في الوحدة بل في خيبة الأمل،
فالناس تتقن فن الكذب أكثر مما تتقن فن الوفاء
وتجيد ارتداء الأقنعة حتى يختلط الصدق بالتمثيل.

الصداقة الحقة الصادقة عملة نادرة في كل زمان
فالإنسان اجتماعي بفطرته ولا تستقيم حياته بالعزلة والانفراد ، لكن الحياة أحيانًا تقودنا إلى عزلةٍ من نوعٍ آخر ، عزلة إيجابية لا تهرب من الناس بل تعود فيها إلى نفسك.

أن تعكف على قراءة كتابٍ ماتع مع كوب قهوة
أن تسافر بين صفحات الكلمات فتنسى همومك ومعاناتك ، أن تجلس صامتًا بينما روحك تتحاور مع ذاتها ، فتخرج أكثر هدوءًا وأكثر فهمًا للحياة.

من النادر جدًا أن تجد صديقًا وفيًا مخلصًا ، يؤنسك ويسعدك وينصحك وتنضج برفقته ، ويكون حاضرًا عندما تحتاجه.
قد نجد أصدقاء من الطراز النادر ، لكنهم يعيشون في بلدان بعيدة ، لا يشاركون تفاصيل أيامنا الصغيرة
ولا لحظات ضعفنا المفاجئة.

وهنا بدأت رحلتي المختلفة..
أذهب إلى المقهى القريب من بيتي.
أحتسي قهوتي بهدوء.
أتأمل حياتي.
أسترجع ذكرياتي الجميلة.
أنظر إلى المرآة وأبتسم.
أتحدث إلى نفسي كصديقٍ حنون.
أعزز الجوانب المضيئة في شخصيتي ، وأواجه نقاط ضعفي بصدقٍ دون جلدٍ أو قسوة.

لقد مررت بألمٍ نفسي متكرر..
وخيبات أمل كثيرة في الأصدقاء والناس.
حتى أصبحت لديّ فوبيا الأصدقاء.
ليس خوفًا من البشر.
بل حرصًا شديدًا على سلامي الداخلي.

كنت أنادي طويلًا..
أريد أن أعيش في سلام مع نفسي والآخرين
ثم اكتشفت أن السلام الكامل مع الجميع مستحيل
أما السلام مع النفس فاختيار.

وهكذا أصبحت صديق نفسي..

أحمي قلبي.
لا لأنني أكره الناس.
بل لأنني تعلمت أن الثقة العمياء تؤلم،
وأن بعض القلوب لا تحتمل الخذلان المتكرر.

وسرت وحدي شريدًا محطم الخطوات.
تهزني أنفاسي وتخيفني لفتاتي.
كهارب ٍلا يدري من أين جاء وإلى أين يمضي.
شكٌ وضبابٌ وحطام.
بعضي يمزق بعضي.

لكنني أدركت مع الوقت أن الوحدة ليست هزيمة.
بل إعادة ترتيب للروح.
وأن الانسحاب أحيانًا ليس ضعفًا.
بل شجاعة لحماية القلب.

لم أعد أبحث عن كثرة الأصدقاء.
ولا عن تصفيق الناس.
المهم أن أكون صادقًا.

صادقًا مع نفسي أولًا.
لأن الإنسان قد يخدع العالم كله.
لكنه لا يستطيع أن يخدع روحه طويلًا.

واليوم أعيش سلامًا مختلفًا.
سلامًا هادئًا لا ضجيج فيه.
أجلس مع نفسي فأجدها أوفى رفيق.
أستمع إليها فتدلني على الطريق.
أساندها عندما تتعب.
وأربّت عليها عندما تحزن.

وفي نهاية الرحلة أدركت أن أعظم انتصارٍ يحققه الإنسان ليس أن يجد الناس كلهم إلى جانبه،
بل أن يجد نفسه واقفةً معه في أصعب لحظاته.

تعلمت أن القلب الذي يحمي نفسه لا يصبح قاسيًا
بل أكثر وعيًا ونقاءً،
وأن الصدق مع الذات هو الصداقة الوحيدة التي لا تخون ولا تغيب.

قد يرحل الأصدقاء.
وقد تتبدل الوجوه.
وقد تسقط الكثير من الأقنعة.
لكن من يصادق نفسه لا يسقط أبدًا.

واليوم لم أعد أهرب من الوحدة.
بل صارت ملاذي.
ولم أعد أخاف الطريق.
لأنني أسير فيه ومعي أوفى صديق.

أنا… صديق نفسي…
ومن وجد نفسه،
لم يعد فقيرًا بأحد.

نوار بن دهري

NawarDehri@gmail.com

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *