من (أُحد) التاريخ.. إلى (أُحد) السياحة !!

صدى رحلة مسائية ليلة الجمعة 24 رمضان 1447هـ = 13 مارس 2026م برفقة الزميل صالح الحسيني إلى (مشروع جبل أحد) السياحي.

(1) .. لم يكن جبل (أحد) بالمدينة النبوية مجرد جغرافيا صامتة، أو تاريخ جامد، أو سردية سيرية.. ولكنه كل ذلك في ذهنيتنا الإسلامية والمجتمعية والإنسانية المتعالية إلى سقف المشاعر الشاعرية والخطابات الثقافية، والمسيرة التنموية.

(أحد) هو الجبل الفاره شمال الحرم النبوي والممتد جغرافياً على مساحة 7 كيلومترات بين جهتي الشرق والغرب. )أحد( سلسلة جبلية بركانية تميل إلى اللون الأحمر، ولكنه يتشظى ويتمدد في جُبُلٍ كثيرة اصطلح جغرافياً على تسميته )أحدٌ( لتوحده بين الجبال المحيطة بالمدينة المنورة ويظهر منفرداً/ مستقلًا عنها في الجهة الشمالية، وفيه العديد من الشعاب والشقوق والكهوف والمهاريس التي تحتجز مياه الأمطار.

وبحكم تخصصي التاريخي زرته كثيراً.. زورات دينية/ تاريخية أزور فيها مقبرة شهداء أحد، وأسلم على سيدنا (حمزة) وعلى الصحابة المدفونين معه فيها!! (رضي الله عنهم أجمعين) ، وأقف على جبل الرماة مستحضراً ذلك الحدث التاريخي المسجل في ثنايا السيرة النبوية يوم غزوة أحد ومآلاتها المعروفة.

(جبل الرماة) كنت أراه في أول زورة لي وأنا طالب جامعي في قسم التاريخ – كنت أراه شامخاً عالياً في السماء والوصول إلى قمته تحتاج جهداً بدنياً ورياضياً ورغم ذلك نتسلق صخوره حتى نصل إلى القمة حيث كان الجيش المحمدي يعسكر هناك ويرمي بالنبل والسهام جيوش المشركين حتى شارفوا على الانتصار، ورأوا فلول قريش ومن جاء معهم يغادرون أرض المعركة مخلفين الغنائم الكثيرة، فنزل الجيش الإسلامي ليشارك فيها مخالفين أوامر رسولنا صلى الله عليه وسلم. فانتهز خالد بن الوليد هذه الفرصة وصعد بجيشه إلى أعلى جبل الرماة واستطاع قلب المعركة من هزيمة إلى نصر كبير للمشركين ومَنْ شاركهم!!

وفي الزيارات الأخيرة رأيت الجبل وقد تطامن واقترب من الأرض لاأدري لماذا؟! ألأني كبرت!؟ أم لأن الشوارع الجديدة المحيطة بالجبل قد ارتفعت مناسيبها.! أم لأن زيارات الناس وصعودهم وهبوطهم وعوامل الرياح والأمطار قد خفَّفت من ذلك العلو الشاهق!.

ومع كل هذه المشاعر كنت أرى جبل الرماة جزءاً منفرداً ومستقلًا عن جبل أحد/ السلسلة الطويلة التي كنت أفكر فيها وأتساءل متى يتحول هذا الجبل إلى معلم سياحي وأيقونة حضارية متجددة يتفاعل معها الزوار في سياحة دينية/ إنسانية/ جغرافية. فالجبل – في الأثر النبوي – أنه من جبال الجنة وأنه يحبنا ونحبه، فلماذا لا يكون معلماً تفاعلياً، ومقصداً سياحياً!!

وما هي إلا سنوات.. ومع الرؤية السعودية 2030 التي حملت في طياتها معاني جودة الحياة واستثمار المعالم الدينية لتكون رافداً سياحياً، فقامت هيئة تطوير منطقة المدينة المنورة بالكثير من المشاريع التي تحقق شيئاً من مستهدفات الرؤية ومن ذلك تطوير مسجد القبلتين وتحويله إلى مركز حضاري، وكذلك مسجد قباء، وغيرها من المعالم التاريخية.

وفي هذا السياق يجيء مشروع تطوير جبل )أحد( ليكون واحداً من أبرز المشاريع التطويرية في المدينة المنورة، التي تشرف عليها أمانة منطقة المدينة المنورة وهيئة التطوير. ويقوم على تشغيله )شركة السكب للسفر والسياحة( حيث جهزت المكان/ تصميماً تراثياً، وبناءً للمحلات التجارية، والجلسات والاستراحات حيث يتمكن الزائر من قضاء وقت ممتع لاكتشاف الجبل وتاريخه وجغرافيته، من أقرب نقطة في أسفل الجبل والى أعلى قمته الشامخة، في رحلة فريدة/ ماتعة ليستمتع بإطلالات بانورامية آسرة. فيقف على عظمة المكان وروعة المشاهد واستحضار التاريخ وسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام مع هذا الجبل العظيم.
* * *
(2) وقد أكرمني الرب سبحانه هذا العام 1447هـ وتحديداً في يوم 21من رمضان بزيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والسلام عليه وعلى صاحبيه في أوائل العشر الأواخر بنية الاعتكاف وقضاء هذه الأيام المباركات في رحاب المدينة النبوية، في خلوة دينية/ إيمانية لم يعرف عنها أحد إلا أهل بيتي والمقربين جداً من العائلة(العارفية).

وما هي إلا يومين حتى أسعدني أخي الأديب وصديق الحرف النقي القاص والشاعر صالح الحسيني بتوقعاته الملهمة، وخبراته المسبقة فاتصل عليَّ مستفسراً، ولم يكتف بالاتصال بل قابلني في المكان الذي أحرص دائماً على الصلاة فيه بالحرم النبوي، والتقينا عصرية في الحرم وتجاذبنا أطراف الحديث فجاء على ذكر المشاريع التطويرية والتنموية في جبل أحد، ودعاني للزيارة وشوقني للتجربة، وكان الناصح الأمين والدليل الموثوق به فهو صاحب تجربة قديمة في زيارة ذلك المشروع.

وبعد صلاة التراويح مساء الجمعة 13 مارس24/ رمضان 1447هـ اصطحبني في رحلة دينية/ سياحية إلى الجبل الذي نُحِ بَّه ويُحِ بَّنا، في زيارة إلى مشروع تطوير الجبل، وجولة سياحية إلى قمة الجبل حيث المطعم، والمقهى، والإطلالة البانورامية على مدينة النبوة والرسالة المحمدية في ليلة شتوية الملامح.
* * *
(3) وصلنا إلى سفح الجبل حيث مسجد الشهداء وجبل الرماة، ومقبرة سيدنا حمزة أو ما تعرف بمقبرة )الشهداء( التي تضم رفاة )سبعين( من الصحابة الذين استشهدوا في غزوة أحد عام 3 هجرية، وفي مقدمتهم سيدنا (حمزة بن عبدالمطلب) رضي الله عنه عم النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم الملقب بـ)سيد الشهداء.( ومن هناك توغلنا صعوداً إلى الجبل في ممرات ترابية واسفلتية وبين مساكن شعبية، فوصلنا إلى معلم أثري قيل لنا إنه الغار/ الكهف أو )الشق( الذي آوى إليه رسول الله بعد أن أصيب في معركة أحد وغسل وجهه من ماء (المهاريس) أو (الجرار) التي تتجمع فيها المياه بعد نزول الأمطار في إحدى الشعاب التي يشرف عليها جبل أحد!!

ورأينا الناس/ الزوار (رجالًا ونساءً) يتوافدون على هذا (الشق) المعلم الأثري ويتدافعون للوصول إليه!! وسألنا أحدهم من الجنسية الباكستانية عن هذا المكان فقال إنه اشتم رائحة )المسك( الزكية الفواحة التي يشعر بها كل مَنْ يدخل )الشق/( الغار/ الكهف!!
وبجوار هذا )الشق( مسجداً أو مصلى مسقوف بطريقة تراثية ويسمى مسجد الفسح يقال إن الرسول صلى الله عليه وسلم صلَّى فيه قاعداً – بعد إصابته في أُحُدْ- صلاة الظهر وصلَّى الصحابة خلفه جلوساً/ قعوداً. والجميل هنا أن هذا الموقع خضع للترميم والتأهيل الذي تقوده هيئة تطوير المدية المنورة!!

وأعتقد – جازماً – أن هذه المعلومات التاريخية المتداولة حالياً وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، لم تكن معروفة لدينا ونحن المختصون في التاريخ، ولكنها – رغم ذلك – تحتاج إلى بحث وتأصيل وتدقيق عبر ما أسميته في كتاباتي التاريخية بـ/ تفتيق النَّص التاريخي!!

ومن هناك انتقلنا إلى موقع المشروع التطويري في جانب آخر من الجبل، حيث وصلنا إلى نقطة الانطلاق من أسفل سفوح جبل أحد، فألفينا مكاناً ترفيهياً وسياحياً/ ساحة منبسطة تحيط بها المحلات التجارية/ مقاهي/ مطاعم/ مراكز تسويق/ مركز زوار( ولها مدخل تراثي/ مديني/ مبني على شكل قوس بحجارة من جبال المدينة البركانية، كتب عليه )جبل أحد يحبنا ونحبه( باللغتين العربية والإنجليزية.

ومع دخولنا هذه البوابة استقبلتنا فرقة شعبية من الشباب ومجموعة من الرجال على ظهور الجمال يرحبون بالزوار، ويعطوهم نبذة تاريخية عن الجبل، وفرقة من الفتيات الصغار ومجموعة من الأطفال ينشدون ويغنون أغنيات مدينية تراثية وكان قائدهم )الشاب/ الممثل المسرحي وائل الحربي( يرتقي سنام الجمل بلباسه التراثي وصوته الجهوري متحدثاً عن الجبل وتاريخه، والغزوة المعروفة وصعود المصطفى وبعض أصحابه إلى هذه المواقع، حديثاً شيقاً مرتجلًا ممسرحاً!! فشكراً للأخ )وائل( ورفاقه المستقبلين.

وفي مركز الزوار وجدنا مجموعات من الزوار ينتظرون موعدهم للصعود ودلونا على مكان الحجز فلقينا شابين من أبناء المدينة المنورة عليهم سيماء السياحة والشغف السياحي فحجزوا لنا مقعدين وطالبانا بالانتظار مع المنتظرين.

وما هي إلا لحظات حتى نادوا علينا لركوب السيارات من نوع الـ(GMC) لتنطلق في رحلة الصعود عبر طريق غير مزفت/ طريق يلتوي بين منعطفات الجبل حتى وصلنا قمته بعد نصف ساعة تقريباًـ لنجد المطعم والمقهى المعد بشكل حضاري وسياحي، في جلسات تطل على كامل جهات المدينة النبوية، وفي إطلالة بانورامية مسائية كانت أنوار المنارات للمسجد النبوي، وأنوار الشوارع الرئيسية تفتق في رؤوسنا مطالع الشعرية، وفضاءات السردية على نحو إبداعي ونوعي خلاق!!

وحوالي الساعة تقريباً قضيناها بين عشاء خفيف وشربة شاي مديني أخضر، وجولة رياضية عبر ممرات هذا المنتجع الجبلي وتدرجاته الجمالية التي تضيؤها الفوانيس العتيقة الأرضية كان رفيقنا ودليلنا القاص/ الأديب/ الزميل صالح الحسيني حفظه الله، وشاركنا الشاب/ وائل الحربي حيث صعد للقمة ليقدم للزوار نبذة تاريخية وحضارية عن هذا المعلم السياحي.

هناك كانت البهجة تملأ نفوسنا ونحن نطل من علٍ مرتفعٍ من قمة جبل أحد الذي (نحبه ويحبنا..) على أنوار المدينة المنورة وفضاءاتها الروحانية، لنغادر المكان محملين عبقه وأنواره وتاريخه الممتد عميقاً في حضارتنا الإسلامية وموروثنا الثقافي والتاريخي [انظر الصور المرفقة.]

وها نحن في طريقنا للعودة نزولًا إلى نقطة الانطلاق أسفل )جبل أحد( لنغادر بعدها إلى مسجد القبلتين لأداء صلاة التهجد في باحته الجديدة والمتطورة فقد أصبح هذا المعلم التاريخي والديني أيقونة سياحية وحضارية تحتاج منا وقفة قرائية/ وصفية في جولة قادمة إن شاء الله.

والحمد لله رب العالمين.
جدة: من مساء السبت1447/10/23هـ إلى عصر الجمعة 1447/10/29هـ

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *