بين بريق الطرح وسقوط الدليل: كيف يُصنع الوهم العلمي؟

رحل الطبيب ضياء العوضي لكن الضجيج الذي رافق اسمه لم ينتهِ برحيله بل ترك وراءه أسئلةْ ملحّة حول قابلية الوعي العام للانخداع بخطابٍ يبدو علمياْ في ظاهره بينما يفتقر في جوهره إلى أبسط مقومات المنهج العلمي. المشكلة هنا لا تتعلق بشخصٍ بعينه بقدر ما تتعلق بنمطٍ متكرر من الطرح نمطٍ يقدّم نفسه بوصفه كسراْ للمسلّمات وهو في الحقيقة يتجاوزها دون أن يقدّم بديلاْ قابلاْ للتحقق.

الخلط بين الجرأة العلمية والفوضى المعرفية هو أحد أبرز أسباب هذا الالتباس. فالعلم لا يتقدّم عبر إنكار ما استقر من نتائج دون دليل ولا عبر تقديم فرضيات على أنها حقائق نهائية بل عبر مسار طويل من الاختبار والتكرار والنقد حين يُطرح رأي بوصفه تصحيحاْ شاملاْ أو نسفاْ كاملاْ لما سبق دون أن يمر عبر هذا المسار فإننا لا نكون أمام علمٍ جديد بل أمام ادعاء كبير بلا سند كافٍ.

ما يجعل مثل هذا الخطاب جاذباْ هو أنه يخاطب شعوراْ دفيناْ لدى كثير من الناس الرغبة في اكتشاف ما يجهله الآخرون أو الإحساس بأن هناك حقيقة مخفية لم تُكشف بعد هذه الفكرة وحدها كفيلة بأن تمنح أي طرحٍ بريقاْ خاصاْ حتى لو كان خالياْ من الأدلة المتماسكة ومع تكرار الطرح وتزايد المتابعين يتحول التأثير إلى ما يشبه الإجماع الشعبي وهو إجماع لا قيمة له في ميزان العلم لأن العلم لا يُقاس بعدد المقتنعين بل بصلابة الدليل.

الأخطر من ذلك أن هذا النوع من الطرح لا يكتفي بإقناع المتلقي بفكرة محددة بل يعيد تشكيل تصوره عن العلم نفسه. فيتحول العلم في ذهنه من كونه منظومة دقيقة تقوم على البرهان إلى مساحة مفتوحة لكل من يملك القدرة على الإقناع وهنا تبدأ الحدود بالذوبان بين الباحث والمتحدث بين المختبر والمنصة بين التجربة والانطباع.

ولأن المشهد لم يعد محكوماْ بالمؤسسات العلمية وحدها بل بمنصات مفتوحة يتساوى فيها المتخصص وغير المتخصص أصبح من السهل أن تنتشر أفكار غير مكتملة أو مضللة لا لأنها أقوى بل لأنها أكثر جاذبية في العرض ومع الوقت يتكوّن حولها جمهور يدافع عنها لا بدافع الفهم بل بدافع الانتماء وهنا تتحول الفكرة من موضوع للنقاش إلى هوية يصعب التخلي عنها

من الإنصاف أن نُذكّر بأن النقد العلمي لا يعني إقصاء كل جديد كما أن قبول الجديد لا يعني إسقاط كل قديم. الميزان في ذلك ليس الإعجاب ولا الرفض المسبق بل الدليل القابل للفحص. الفكرة التي لا يمكن اختبارها أو التي تتغير مع كل نقد أو التي تُبنى على انتقاء جزئي للمعطيات تظل فكرة هشة مهما بدا خطابها متماسكاْ.

إن ما نحتاجه في مثل هذه القضايا ليس الانشغال بالأشخاص بقدر ما نحتاج إلى ترسيخ منهج واضح في التلقي أن لا ننجذب لليقين السريع ولا ننخدع باللغة المبهرة وأن نسأل دائماْ عن المصدر وعن طريقة الوصول إلى النتيجة وعن إمكانية إعادة التجربة فالعلم لا يُبنى على الانطباعات ولا يُهدم بالتصفيق بل يقوم ويستمر بقدر ما يحتمل من فحصٍ ونقد.

وفي زمنٍ تتزاحم فيه الأصوات تبقى المسؤولية الحقيقية على القارئ إما أن يكون متلقياْ يبحث عما يوافقه أو باحثاْ يتحرى ما يثبته وبين هذين المسارين يتحدد مصير أي فكرة أن تعيش لأنها صحيحة أو تنتشر لأنها جذابة ثم تتلاشى حين تُختبر.

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *