لم يغب عن بالي ذلك اليوم عندما كنت في المرحلة المتوسطة، أهداني زميلي لي من الجنسية المصرية كتاباً صغير الحجم كبير الفائدة.
كان بعنوان “مختصر زاد المعاد”. تصفحته سريعاً فشدتني غزارة معلوماته وحسن ترتيبه.
كان أول كتاب أمتلكه، لكنه كان أيضاً أول كتاب غير مجرى حياتي للأفضل. شعرت بعد قراءته أني بعيد جداً عن الاقتداء بالنبي ﷺ والاهتداء بهديه، لقد تغيرت صورتي الذهنية عن حياته ﷺ عما كنت أتخيله عنه سابقاً.
واليوم نسمع عن أشخاص يمتلكون مكتبة كبيرة، لكن عند الغوص في معارفهم والسؤال عن أوقاتهم، نكتشف أن اطلاعهم محدود.
سألت أحد رواد المكتبات: كم كتاباً تقرأ في الأسبوع؟ فابتسم وقال: لست وحدي في ميدان هجر الكتب.
قلت في نفسي: أين الذين كانوا يحزنون إذا مضت ساعة من أوقاتهم دون مطالعة؟
قال لي صديق: هل تعلم أن الجميع يقرأ.
قلت له: أين؟ قال: على أجهزة الجوال.
قلت: هذه قراءة متعة، وليست قراءة للفائدة.
فأين نحن من ابن الجوزي الذي يشتكي أنه لم يقرأ إلا عشرين ألف مجلد ويعد نفسه مقصراً في طلب العلم؟
بل أين نحن من ابن القيم الذي يقول: إذا اشتد بي الصداع وضعت الكتاب، فإذا خف الألم رفعت الكتاب؟
وأين نحن من شيخ الإسلام ابن تيمية الذي لم يأخذ بنصيحة الطبيب لما نصحه ان يترك القراءة حفاظاً على صحته؟
هؤلاء لم ينفعوا المسلمين لأنهم جمعوا الكتب، بل لأنهم وهبوا أوقاتهم للعلم حتى صار جزءاً منهم.
وحين احترقت مكتبة ابن حزم قال: ان مكتبتي في صدري.
كيف لأنه كان رحمه الله، قد حفظها في صدره .
مرة قرأت عن رجل من بلاد الغرب خسر تجارته وكاد أن ينتحر، فوجد ورقة مكتوباً عليها: “لست وحدك”.
كانت هذه العبارة بلسماً لوجوده، فعاد وقاوم حتى صار من كبار رجال الأعمال.
وهكذا بعض الكتب قد لا تمنحك ثقافة واسعة، لكنها تعلمك كيف تستوعب الألم وتتجاوز العقبات.
والخلاصة والمخرج من هجر الكتب ليس في كثرة الاقتناء، بل في القراءة التي تغير التصور وتبني الشخصية.
اقرأ ثم اقرأ حتى تكون مكتبة متنقلة محفوظة في صدرك، فما تحفظه هو ما يبقى معك طول حياتك.
—
الثلاثاء، 18 ذو القعدة 1447
مقالات سابقة للكاتب