هل نُدير الفقر… أم ننهيه؟

الزكاة بين إطعام الجائع وصناعة الاستغناء

﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 60)

ماذا لو كانت المشكلة ليست في الفقر… بل في الطريقة التي نحاربه بها؟

السؤال ليس: كم نعطي؟

بل كم إنسانًا نُخرج من دائرة الحاجة؟

سؤال قد يبدو مستفزًا، لكنه يفرض نفسه حين نعلم أن مليارات الزكاة تُدفع سنويًا في العالم الإسلامي، ومع ذلك لا يتراجع الفقر بالقدر الذي نتوقعه. وهنا تظهر مفارقة لافتة: لسنا نعاني من قلّة العطاء… بل من عجزنا عن تحويل العطاء إلى حياة.

لقد حدّد القرآن مصارف الزكاة بدقة، لكنه لم يحدد كيفية صرفها داخل هذه المصارف، وكأن المقصود ليس مجرد الإخراج، بل تحقيق الأثر. ومن هنا يتكرر السؤال: هل نوزّع الزكاة على أكبر عدد ممكن فنخفف الألم، أم نوجّهها بحيث تغيّر مصير الإنسان؟

في الممارسة اليومية، نميل غالبًا إلى توزيع مبالغ صغيرة على عدد كبير من المحتاجين، فنحقق أثرًا سريعًا، لكن هذا النمط – رغم أهميته – يظل في دائرة إدارة الفقر لا إنهائه.

وأخطر الفقر… هو الفقر الذي نُديره بدل أن نُنهيه؛ وكأننا نُحسن التخفيف… ولا نُحسن الحل.

في المقابل، يطرح منهج التمكين تصورًا مختلفًا؛ إذ لا يُنظر إلى الفقير بوصفه متلقيًا فقط، بل بوصفه مشروع إنسان قادر على التحول إلى منتج. وهنا لا يعود السؤال: كم أعطينا؟ بل: ماذا غيّر هذا العطاء؟ هل استُهلك فانتهى، أم استُثمر فاستمر أثره؟

ولو أردنا أن نستعرض بعض ما جاء في التراث الإسلامي من هذا المعنى، لوجدنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُربِّ أصحابه على مجرد العطاء الاستهلاكي، بل على إعادة بناء الإنسان. ففي الحديث المشهور، جاء رجل يسأل، فلم يُعطه النبي صلى الله عليه وسلم مالًا مباشرًا، بل سأله عما يملك، ثم أمره أن يبيع متاعًا يسيرًا، ويشتري فأسًا، ويحتطب، حتى عاد بعد أيام وقد استغنى. لم تكن القضية دراهم تُعطى… بل إنسان يُصنع من جديد.

وفي عهد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان النظر إلى المحتاج لا يقف عند حاجته اللحظية، بل يتجاوزها إلى قدرته على الكسب. وكان رضي الله عنه يقول لعماله: »إذا أعطيتم فأغنوا. «

وهي عبارة قصيرة، لكنها تحمل فلسفة كاملة في فهم الزكاة؛ فالعطاء ليس لتسكين الحاجة، بل لإنهائها.

ولم يكن هذا الفهم اجتهادًا سياسيًا فحسب، بل تبنّاه الفقهاء، فقد نصّ الإمام النووي رحمه الله في المجموع على أنه:

»يُعطى الفقير والمسكين ما يكفيه على الدوام، فيُعطى من له حرفة ما يشتري به آلة حرفته، ويُعطى التاجر رأس مال يكفيه ربحه.«

هذا نصّ صريح في أن المقصود ليس مجرد الإعانة، بل تحقيق الكفاية والاستغناء.

وقد قرر ابن قدامة المقدسي رحمه الله في المُغني:

أن الفقير يُعطى من الزكاة ما يُخرجه من حدّ الفقر إلى الغنى، لأن المقصود من الزكاة تحقيق الكفاية لا مجرد الإعانة المؤقتة.

ومن زاوية اقتصادية، تتضح الصورة أكثر؛ فنحن كثيرًا ما نمارس الزكاة كأنها نظام توزيع، بينما حقيقتها الأعمق أنها أداة تحويل. فالتوزيع الواسع يحرّك المال، لكنه لا يغيّر بنية الفقر، أما التمكين فيخلق منتجًا جديدًا داخل المجتمع.

فالمال إذا استُهلك انتهى… وإذا استُثمر أعاد إنتاج نفسه.

ومع ذلك، فإن هذا الطرح لا ينبغي أن يُفهم على إطلاقه؛ فليس كل محتاج يمكن تمكينه. فالمريض، وكبير السن، والعاجز، هؤلاء يحتاجون إلى عطاء مستمر يحفظ كرامتهم. وهنا تتجلى دقة الشريعة في تنوع مصارف الزكاة، بحيث لا يُظلم أحد باسم الكفاءة الاقتصادية.

وفي بعض التجارب الميدانية المعاصرة، جرى الانتقال من العطاء المباشر إلى العطاء المنتج، حيث تم دعم بعض الأسر بمشاريع بسيطة كالصيد أو تربية المواشي، فتحولت هذه الأسر من متلقية للزكاة إلى مكتفية، بل ربما مساهمة في إعالة غيرها.

هذه النماذج لا تقوم على حجم المال، بل على تغيير موقع الإنسان في المعادلة: من مستهلك إلى منتج.

وهنا تتجلى حقيقة دقيقة:

الزكاة لا تنجح حين تُوزَّع… بل حين تُغيّر موقع الإنسان في الاقتصاد.

ومن المهم أن نعلم أن أثر الزكاة لا يُقاس بما خرج من مال المزكّي، بل بما خرج به الإنسان من حاله. فقد تُطعم مئة فقير فيجوعون غدًا، وقد تُغني واحدًا فيستغني أعوامًا، بل ربما أصبح يومًا من دافعي الزكاة.

أن تُطعم فقيرًا… رحمة،

وأن تُغنيه… عدالة.

وأخطر الفقر… هو الفقر الذي نُديره بدل أن نُنهيه.

د. طلال بن عبدالله بن حسن بخش

باحث في المصرفية الإسلامية والتمويل

الأربعاء 19 ذو القعدة 1447ه

 

 

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *